تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣

بالنظر إلى آثار رحمة اللَّه تعالي في نوع من هذه النعم لانتها دونها فكره وقصر عنها إحصاؤه وحصره ، وهو مع ذلك كلَّه غافل عن شكر اللَّه جاهل بمعرفة اللَّه مصرّ على معصية اللَّه فحقّ أن يقول سبحانه وتعالى بعد تنبيهه له على ضروب نعمه والامتنان بها عليه « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لا تُحْصُوها » « إِنَّ الإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ » ( 1 ) ظلوم لنفسه بمعصية اللَّه معتاد للكفر بآلاء اللَّه قتل الإنسان ما أكفره إنّ الإنسان لكفور مبين فسبحان الَّذي لا تحصى نعماؤه ولا تستقصي آلاؤه ، وغاية هذا الحكم تنبيه الغافلين من مراقد الطبيعة على لزوم شكر اللَّه سبحانه ، والاعتراف بنعمه المستلزم لدوام إخطاره بالبال . قوله ولا يؤدّي حقّه المجتهدون . قوله ولا يؤدّي حقّه المجتهدون . أقول : هذا الحكم ظاهر الصدق من وجهين أحدهما أنّه لمّا كان أداء حقّ النعمة هو مقابلة الإحسان بجزاء مثله وثبت في الكلمة السابقة أنّ نعم اللَّه سبحانه لا تحصى لزم من ذلك أنّه لا يمكن مقابلتها بمثل . الثاني أنّ كلّ ما نتعاطاه من أفعالنا الاختياريّة مستندا إلى جوارحنا وقدرتنا وإرادتنا وسائر أسباب حركاتنا وهى بأسرها مستندة إلى جوده ومستفادة من نعمته ، وكذلك ما يصدر عنّا من الشكر والحمد وسائر العبادات نعمة فتقابل نعمة بنعمة ، وروى أنّ هذا الخاطر خطر لداود عليه السّلام وكذلك لموسى عليه السّلام فقال : يا ربّ كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلَّا بنعمة ثانية من نعمك ، وفي رواية أخرى وشكري ذلك نعمة أخرى توجب علىّ الشكر لك فأوحى اللَّه تعالى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتني ، وفي خبر آخر إذا عرفت أنّ النعم منّي رضيت منك بذلك شكرا ، فأمّا ما يقال في العرف : من أنّ فلانا مؤدّ لحقّ اللَّه تعالى فليس المراد منه جزاء النعمة بل لمّا كانت المطلوبات للَّه تعالى من التكاليف الشرعيّة والعقليّة تسمّى حقوقا له لا جرم سمّى المجتهد في الامتثال مؤدّيا لحقّ اللَّه ، وذلك الأداء في الحقيقة من أعظم نعمه تعالى على عبده إذ كانت الامتثال وسائر أسباب السلوك الموصل إلى اللَّه تعالى كلَّها مستندة إلى جوده وعنايته وإليه الإشارة بقوله تعالى « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » ( 2 ) وما كان في الحقيقة نعمة اللَّه لا يكون أداء لنعمة اللَّه وجزاء

هامش
( 1 ) 14 - 37
( 2 ) 49 - 17