فيها ركعتين وقلت : أسألك يا اللّه يا اللّه أن تعطف عليّ قلب جعفر وترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم ، ولمّا عِيلَ صبري وضاق صدري قصدت جعفراً فلمّا حضرت بابه استأذنت عليه فخرج خادم له فقال : حاجتك ؟ فقلت : السلام على الشريف ، فقال : هو قائم في مصلاه ، فجلست بحذاء بابه ، فما لبثت إِلا يسيراً إِذ خرج خادم فقال : ادخل على بركة اللّه ، فدخلت وسلّمت عليه فردَّ السلام وقال : اجلس غفر اللّه لك ، فجلست فأطرق مليّاً ثمّ رفع رأسه وقال : أبو مَن ؟ قلت : أبو عبد اللّه ، قال ثبّت اللّه كنيتك ووفّقك يا أبا عبد اللّه ، ما مسألتك ؟ فقلت في نفسي لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيراً ، ثمّ رفع رأسه وقال : ما مسألتك ؟ فقلت : سألت اللّه أن يعطف قلبك عليّ ويرزقني من علمك ، وأرجو أن اللّه تعالى أجابني في الشريف ما سألته ، فقال : يا أبا عبد اللّه ليس العلم بالتعلّم إِنما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك وتعالى أن يهديه ، فإن أردت العلم فاطلب أوّلاً في نفسك حقيقة العبوديّة واطلب العلم باستعماله واستفهم اللّه يفهمك ، قلت :
يا شريف فقال : قُل يا أبا عبد اللّه ، قلت : يا أبا عبد اللّه ما حقيقة العبوديّة ؟ قال : ثلاثة أشياء ، ألا يرى العبد لنفسه فيما خوّله اللّه مُلكاً ، لأن العبيد لا يكون لهم مُلك ، يرون المال مال اللّه يضعونه حيث أمرهم اللّه به ولا يدبر العبد تدبيراً ، وجملة اشتغاله فيما أمره اللّه تعالى به ونهاه عنه ، فإذا لم يرَ العبد لنفسه فيما خوّله اللّه تعالى مُلكاً هانَ عليه الانفاق فيما أمره اللّه تعالى أن ينفق فيه ، وإِذا فوّض العبد تدبير نفسه على مُدبّره هانت عليه مصائب الدنيا وإِذا اشتغل العبد بما أمره اللّه تعالى ونهاه لا يتفرّغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس ، فإذا أكرم اللّه العبد بهذه الثلاث هانت عليه الدنيا وإبليس والخلق ، ولا يطلب الدنيا تكاثراً وتفاخراً ، ولا يطلب ما عند الناس عزّاً وعلوّاً ، ولا يدع أيامه باطلاً ، فهذا أول درجة التقى ، قال اللّه تبارك وتعالى : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " . ( 1 )
هامش
( 1 ) القصص : 83 .