شرح
أقول : تقريب استصحاب الجنابة أن يقال : إنّ المكلّف قاطعٌ بتحقّق الجنابة عند خروج المنيّ المشاهد في الثوب وشاكٌّ في بقائها وارتفاعها . ومنشأ الشكّ في ذلك هو الشكّ في أنّ الجنابة المتيقّنة حين خروج المنيّ هل تكون هي السابقة أو اللاحقة الجديدة .
إن قلت : لا بد في جريان الاستصحاب من كون مفاده هو التعبّد بالبقاء ، فإنّ حقيقة الاستصحاب هو التعبّد بالبقاء ، ولا يمكن التعبّد بالبقاء في المقام ، فإنّ المفروض هو اليقين التفصيليّ المتحقّق حال الشكّ بارتفاع الجنابة السابقة في الزمان السابق المعلوم تفصيلاً ، فحينئذ إمّا يكون مفاد الاستصحاب في المقام هو التعبّد بتحقّق الجنابة في حال الشكّ الحاصل بعد رؤية المنيّ فقط من دون التعبّد بها من زمان اليقين بالجنابة ، فليس ذلك تعبّداً بالبقاء على كلّ تقدير ، لأنّه على تقدير كون الجنابة المعلومة عند خروج المنيّ المشاهد هي الجنابة السابقة فلا يمكن أن يتعبّد الاستصحاب ببقائها من ذلك الزمان ، لأنّه لا يمكن التعبّد بالجنابة في زمان القطع بعدمها ، فلا بد أن يكون التعبّد على التقدير المذكور بوجود الجنابة في حال الشكّ من دون أن يكون بالبقاء ، وهو ليس مفاد الاستصحاب المبنيّ على صدق النقض قطعاً ، أو يكون التعبّد بالبقاء على تقدير كون المتيقّن في الزمان الجديد . وهو باطل قطعاً ، لأنّ الفرض المذكور غير محتاج إلى التعبّد . وهذا هو الوجه في اشتراط عدّة من المحقّقين المتأخّرين عن الشيخ الأنصاريّ المؤسّس للأصول الجديدة شرطاً آخر في الاستصحاب ، وهو إحراز اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين ، فإنّه في المورد لا يكون زمان الشكّ محرز الاتّصال بزمان اليقين ، لأنّه إن كان المتيقّن واقعاً في الزمان المفروض بعد الاغتسال فالشكّ متّصل به ، وإلاّ لا يكون متّصلاً به ، لانفصاله عنه بتوسيط اليقين التفصيليّ بعدم الجنابة .
وملخّص وجه الاشتراط أنّ الاستصحاب هو التعبّد بالبقاء ، ولا يمكن أن يكون تعبّدٌ بالبقاء إلاّ مع إحراز اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين حتّى يصلح أن يتعبّد بالبقاء بعد اليقين إلى آخر زمان الشكّ .
قلت : التعبّد بالبقاء حاصل في المقام على كلّ حال ، فإنّه على تقدير كون زمان المتيقّن هو الزمان السابق فلا ريب أنّ التعبّد بالبقاء أيضاً متحقّق ، لأنّ مفاد الاستصحاب في