شرح
وينبغي التنبيه على أمور :
الأوّل : أنّ ما قوّيناه من جواز العدول في المسألتين مبنيّ على كون مفاد دليل التقليد هو التخيير في الابتداء أو دائماً ، وفي المسألة الأولى بالخصوص مبنيّ - مضافاً إلى ما ذكر - على كون الميّت الّذي قلّده سابقاً مثل الحيّ في شمول الدليل الدالّ على التقليد على نحو التخيير من الأدلّة الأوّليّة أو الاستصحاب ، ومقتضى ذلك جواز العدول من الحيّ إلى الحيّ ومن الميّت إلى الحيّ ومن الحيّ إلى الميّت .
وأمّا على ما قلنا سابقاً من احتمال التساقط وقياسه بدليل حجّيّة الخبر فمقتضاه الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل من الفتويين ، فلا يجوز له العدول من الفتوى الّتي يقتضيها الأصل إلى غيرها ، حيّاً كان المعدول عنه أو ميّتاً وحيّاً كان المعدول إليه أو ميّتاً ، لعدم حجّيّة قولهما بالأصل ، وإنّما الحجّة هي الأصل .
وكذلك لو قلنا بالتخيير وقلنا بعدم حجّيّة قول الميّت - كما قوّيناه - فلا وجه لجواز العدول من الحيّ إلى الميّت ، لعدم حجّيّة قول الميّت .
الثاني : قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ المصنّف طاب ثراه مع اختياره التخيير في الابتداء
يختار حرمة العدول عن الحيّ إلى غيره حيّاً أو ميّتاً ، وليس ذلك لولا الإجماع
إلاّ من جهة سكوت دليل التقليد وعدم إطلاقه من جهة سبق تقليد الغير وغيره ، إمّا من باب أنّ الدليل على التخيير هو الإجماع غير الثابت في صورة البقاء ، وإمّا من باب
أنّ الدليل الدالّ على التقليد وإن اقتضى التخيير إلاّ أنّ القدر المتيقّن من موضوعه المتحيّر الّذي لم يقم عنده دليل على الحكم الواقعيّ ، وإمّا من باب أنّ الأدلّة اللفظيّة الدالّة على التقليد مهملة من لحاظ الشرائط - كالحياة والأعلميّة وعدم سبق التقليد - كما أنّه يستفاد من الكفاية ( 1 ) ، والعقل إنّما يحكم بالتخيير عند عدم القدر المتيقّن ، ولذا يحكم بالتخيير في الابتداء ، وبعد العمل بأحدهما يتّصف ما عمل به بخصوصيّة لا يحكم العقل بعد ذلك بالتخيير .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 542 .