شرح
الرابع : إخلاله بالتمييز ، فإنّ ذكر عدّة من الفقهاء اشتراط التمييز في صحّة العبادة وإن لم يكن دليلاً على الاعتبار إلاّ أنّ احتمال الاعتبار كاف في وجوب مراعاته عقلاً ، لعدم جواز رفع الاحتمال بإطلاق العبادة ، فإنّ العلم بالوجوب إنّما يتحقّق في المرتبة المتأخّرة عن الوجوب فلا يمكن أخذه في متعلّق الأمر ، وما لا يمكن أخذه قيداً في متعلّق الأمر لا يمكن التمسّك بإطلاق المتعلّق لنفيه ، فإنّ التمسّك بالإطلاق لرفع احتمال قيديّة ما يمكن قيديّته لا ما لا يمكن ذلك كما حقّق في محلّه . ولا يمكن التمسّك بالبراءة العقليّة ولا الشرعيّة لرفعها ، كما صرّح بذلك المحقّق الخراسانيّ في التعليقة ( 1 ) وفي الكفاية ( 2 ) ، فلا بد من تحصيل القيد المذكور ، لاحتمال دخالته في الغرض .
الخامس : إخلاله بقصد الأمر ، فإنّه وإن لم يعتبر قصد الوجه من الوجوب أو الندب إلاّ أنّ قصد الأمر وكونه داعياً للعمل ومحرّكاً نحوه ممّا يعتبر في العبادات بلا ريب ولا خلاف ، ومع احتمال الأمر لا يكون الداعي إلاّ الاحتمال ، فإنّ وجود الأمر وعدمه في هذه الصورة سيّان ، فليس المحّرك والداعي إلاّ الاحتمال دون الأمر . هذا .
ولكن في الكلّ نظر وإشكال :
أمّا الأوّل فلأنّ المسألة غير معنونة في جميع كتب الفقهاء ، فإنّ صاحبي الشرائع والقواعد لم يذكرا في باب الوضوء والغسل والتيمّم والصلاة والزكاة إلاّ اشتراط النيّة في العبادة وقصد القربة وإتيانها لوجوبها أو لندبها ، وذكروا في بعض الموارد التعيينَ . وأمّا عدم التكرار بحيث يكون استلزام الاحتياط للتكرار من موانع العبادة فغير مذكور - في ما أعلم - في كتب القوم فكيف يمكن دعوى الإجماع على ذلك ؟ !
ولعلّ منشأ الوثوق بالإجماع ملاحظة سيرة العلماء بل والمسلمين كافّة على الاجتهاد أو التقليد كما يومئ إليه بعض عبائر الشيخ العلاّمة الأنصاريّ ، ومن المعلوم أنّ السيرة ليست إلاّ لمشقّة الاحتياط ، وأنّ المجتهد وظيفته الاجتهاد وبيان الحكم للناس ، ولا معنى له أن يحتاط أو يأمر بالاحتياط .
مضافاً إلى أنّه على فرض تحقّق الإجماع فلعلّه كان مدرك أكثر المجمعين اشتراط
هامش
( 1 ) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد : ص 51 .
( 2 ) كفاية الأصول : ص 98 و 99 .