دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع ، قوله تعالى : " وحيث ما كنتم
فولوا وجوهكم شطره " ( 2 ) فأوجب التوجه على كل مصل ، إلى شطر البيت ، فإذا
لم يفعل ذلك ، كان الأمر عليه باقيا ، فيلزمه الإعادة .
فإن قيل : الآية تقتضي وجوب التوجه على كل مصل ، وليس فيها دلالة
على أنه إذا لم يفعل لزمته الإعادة ؟
قلنا : لم نحتج بالآية على وجوب القضاء وإنما بينا بالآية وجوب التوجه على
كل مصل ، فإذا لم يأت بالمأمور به ، فهو باق في ذمته ، فيلزمه فعله .
وليس لأحد أن يقول : هذه الآية إنما يصح أن يحتج بها الشافعي ، لأنه
يوجب الإعادة على كل حال ، في الوقت وبعد خروج الوقت ، وأنتم تفصلون بين
الأمرين فظاهر الآية يقتضي أن لا فصل بينهما ، فلا دليل لكم على مذهبكم في الآية .
قلنا : إنما أمر الله تعالى كل مصل للظهر مثلا بالتوجه إلى شطر البيت ،
ما دام في الوقت ، ولم يأمره بالتوجه بعد خروج الوقت ، لأنه إنما يأمر بأداء
الصلاة ، لا بقضائها ، والأداء ما كان في الوقت ، والقضاء ما خرج عن الوقت ،
فهو إذا تحرى القبلة وصلى إلى جهة ، ثم تبين له الخطأ ، وتيقن أنه صلى إلى
غير القبلة ، وهو في الوقت ، لم يخرج عنه ، فحكم الأمر باق عليه ، ووجوب
الصلاة متوجها إلى القبلة باق في ذمته ، وما فعله غير مأمور به ، ولا يسقط عنه
الفرض ، فيجب أن يصلي ما دام الوقت وقت الصلاة ، المأمور بها وهي التي تكون
إلى جهة الكعبة ، لأنه قادر عليها ، وهو متمكن منها ، وبعد خروج الوقت ، لا
يقدر على فعل المأمور به بعينه ، لأنه قد فات بخروج الوقت ، والقضاء في
الموضع الذي يجب فيه ، إنما نعلمه بدليل غير دليل وجوب الأداء هكذا يقتضي
أصول الفقه عند محققي هذا الشأن .
هامش
( 1 ) البقرة : 144 .