ومن أدبهم مع الناس في معاشرتهم وسيرتهم فيهم احترام الضعفاء والأقوياء
على حد سواء ، والإكثار والمبالغة في حق أهل العلم والتقوى منهم ، فإنهم لما بنوا
على أساس العبودية وتربية النفس الإنسانية تفرع عليه تسوية الحكم في الغني
والفقير ، والصغير والكبير ، والرجل والمرأة ، والمولى والعبد ، والحاكم والمحكوم ،
والأمير والمأمور ، والسلطان والرعية ، وعند ذلك لغى تمايز الصفات ، واختصاص
الأقوياء بمزايا اجتماعية ، وبطل تقسم الوجدان والفقدان ، والحرمان والتنعم ،
والسعادة والشقاء ، بين صفتي الغنى والفقر ، والقوة والضعف ، وأن للقوي والغني من
كل مكانة أعلاها ، ومن كل عيشة أنعمها ، ومن كل مجاهدة أروحها وأسهلها ، ومن
كل وظيفة أخفها ، بل كان الناس في ذلك شرعا سواء ، قال ، " يا أيها الناس إنا
خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله
أتقاكم " ( 1 ) وتبدل استكبار الأقوياء بقوتهم ومباهاة الأغنياء بغنيتهم تواضعا للحق ،
ومسارعة إلى المغفرة والرحمة ، وتسابقا في الخيرات ، وجهادا في سبيل الله ،
وابتغاء لمرضاته .
واحترم حينئذ للفقراء كما للأغنياء ، وتؤدب مع الضعفاء كما مع الأغنياء ، بل
اختص هؤلاء بمزيد شفقة ورأفة ورحمة ، قال الله تعالى يؤدب نبيه ( صلى الله عليه وآله ) : " واصبر
نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم
تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره
فرطا " ( 2 ) وقال تعالى : " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون
وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم
فتكون من الظالمين " ( 3 ) وقال : " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا
تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين . وقل إني أنا النذير المبين " ( 4 ) .
ويشتمل على هذا الأدب الجميل ما حكاه الله من محاورة بين نوح ( عليه السلام )
هامش
( 1 ) الحجرات : 13 .
( 2 ) الكهف : 28 .
( 3 ) الأنعام : 52 .
( 4 ) الحجر : 88 و 89 .