من الإيمان بالحق مطرودا هالكا ، إلى غير ذلك من الموارد .
فهذه كلها من رعاية الأدب في جنب الحق واتباعه ، ولا مطلوب أعز منه ولا
بغية أشرف منه وأغلى ، وإن كان في بعضها ما ينافي الأدب الدائر بين الناس
لابتناء حياتهم على اتباع جانب الهوى والسلوك إلى أمتعة الحياة بمداهنة
المبطلين والخضوع والتملق إلى المفسدين والمترفين سياسة في العمل .
وجملة الأمر أن الأدب كما تقدم في أول هذه المباحث إنما يتأتى في القول
السائغ والعمل الصالح ، ويختلف حينئذ باختلاف مسالك الحياة في المجتمعات
والآراء والعقائد التي تتمكن فيها وتتشكل هي عنها ، والدعوة الإلهية التي يستند
إليها المجتمع الديني إنما تتبع الحق في الاعتقاد والعمل ، والحق لا يخالط الباطل
ولا يمازجه ولا يستند إليه ولا يعتضد به ، فلا محيص عن إظهاره واتباعه ، والأدب
الذي يتأتى فيه أن يسلك في طريق الحق أحسن المسالك ويتزيى فيه بأظرف
الأزياء كاختيار لين القول إذا صح أن يتكلم بلينة وخشونة ، واختيار الاستعجال
في الخير إذا أمكن فيه كل من المسارعة والتبطي .
وهذا هو الذي يأمر به في قوله تعالى : " وكتبنا له - أي لموسى - في الألواح
من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا
بأحسنها " ( 1 ) وبشر عباده الآخذين به في قوله : " فبشر عباد * الذين يستمعون
القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب " ( 2 ) فلا أدب
في باطل ولا أدب في ممزوج من حق وباطل ، فإن الخارج من صريح الحق
ضلال لا يرتضيه ولي الحق وقد قال : " فماذا بعد الحق إلا الضلال " ( 3 ) .
وهذا هو الذي دعا أنبياء الحق إلى صراحة القول وصدق اللهجة ، وإن كان
ذلك في بعض الموارد مما لا ترتضيه سنة المداهنة والتساهل والأدب الكاذب
الدائر في المجتمعات غير الدينية .
هامش
( 1 ) الأعراف : 145 .
( 2 ) الزمر : 17 و 18 .
( 3 ) يونس : 32 .