فان قيل : إذا كعموه حتى لا يسلم ينبغي أن يكون ذلك كفرا منهم
لأنهم رضوا بكفره ، ومن رضى بكفر غيره يكفر .
قلنا : لفعلهم ذلك تأويلان :
أحدهما أنهم علموا أنه لا يسلم حقيقة ، ولكن يظهر الاسلام تقية لينجو
من القتل . فلا يكون ذلك رضا منهم بكفره .
والثاني أن مقصودهم من ذلك الانتقام منه والتشديد عليه ، لكثرة
ما آذاهم لا على وجه الرضى بكفره . ومن تأمل قوله تعالى ( ربنا اطمس
على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) ( 1 )
يتضح له هذا المعنى .
وأيد هذا ما روى أن عثمان رضي الله عنه جاء بعبد الله بن سعيد ( 2 )
( ص 169 ) بن أبي سرح يوم فتح مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : بايع عبد الله ، فأعرض عنه . حتى جاء إلى كل جانب هكذا ،
فقال : بايعناه فلينصرف . فلما انصرف قال لأصحابه : أما كان فيكم من
يقوم إليه فيضرب عنقه قبل أن أبايعه ؟ فقالوا : أهلا أومأت إلينا بعينك
يا رسول الله ؟ فقال : ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين .
وأحد لا يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرضى بكفره ،
ولكن علم أنه كان يظهر في ذلك تقية . فلهذا أعرض عنه وقال ما قال .
770 - ولو أن الأسير قال للمسلم حين أراد قتله : الأمان الأمان .
فقال له المسلم : الأمان الأمان . وإنما أراد رد كلامه على وجه التغليظ
عليه : ولكنه لم يرد على هذا . فهذا في حقه حلال الدم لا بأس بأن
يقتله . ولكن من سمع منه هذه المقالة يمنعه من قتله ، ولا يصدقه
فيما ادعى من مراده .
هامش
( 1 ) سورة يونس ، 10 ، الآية 88 .
( 2 ) " بن سعيد " لا توجد في ه ، ب ، ق .