الدين من إلحاق الولد بالفراش بمجرّد الوطء ولو في الدبر ، واختلاف
الصور والهيئات بين كثير من الأنبياء والأوصياء وأولادهم فضلاً عن
غيرهم ، بحيث يُرى أنّ بعض أولادهم أقرب إلى اللحوق بغيرهم ، ولترتّب
الفساد العظيم على ذلك ، ولزوم الفضيحة على المسلمين ، ونقض أحكام
مواريثهم ودياتهم ومناكحهم ( 1 ) ، إلى غير ذلك ( 2 ) ، فمَنْ تتبّع الآثار ونظر في
سيرة الأئمة الأطهار أنكر ذلك كلّ الإنكار ( 3 ) . نعم لو قضت الضرورة بها
كإنكار نسب بعض المعصومين ، أو بعض المؤمنين ; فالظاهر جوازها ، كما
يجوز ارتكاب بعض المحرّمات لدفع بعض المحذورات ، وعليه يُنزّل ما
في بعض الروايات ( 4 ) ، أو على أنّ حضور القافة عندهم ( عليهم السلام ) لم يكن
هامش
( 1 ) أشار إلى بعض هذه الوجوه المقدّس الأردبيلي ، في : مجمع الفائدة والبرهان :
8 / 80 .
( 2 ) قال الشيخ النجفي ، في : جواهر الكلام : 22 / 93 - 94 : « بل مشروعية اللعان
أوضح شيء على عدم اعتبار القيافة » .
( 3 ) في الحديث أنّ أبا بصير سأل الصادق ( عليه السلام ) عن القافة ، فقال له : « ما أُحبّ أنْ
تأتيهم » : وسائل الشيعة / كتاب التجارة / الباب ( 26 ) من أبواب ما يكتسب به /
الحديث ( 2 ) .
( 4 ) وهو ما رواه ثقة الإسلام الشيخ الكليني ، في : الأُصول من الكافي : 1 / 322 -
323 - كتاب الحجّة / باب الإشارة والنصّ على أبي جعفر الثاني ( عليه السلام ) / الحديث ( 14 )
بإسناده « عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي ، قال : سمعت علي بن جعفر ،
يحدّث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين ، فقال : والله لقد نصر الله أبا الحسن
الرضا ( عليه السلام ) ، فقال له الحسن : إي والله جعلت فداك ، لقد بغى عليه إخوته ، فقال
علي بن جعفر إي والله ونحن عمومته بغينا عليه ، فقال له الحسن : جعلت فداك ،
كيف صنعتم ؟ فإنّي لم أحضركم . قال : قال له إخوته ونحن أيضاً : ما كان فينا إمام
قطّ حائل اللون . فقال لهم الرضا ( عليه السلام ) : هو ابني . قالوا : فإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد
قضى بالقافة ، فبيننا وبينك القافة . قال : ابعثوا أنتم إليهم فأمّا أنا فلا ، ولا تعلموهم
لما دعوتموهم ، ولتكونوا في بيوتكم . فلمّا جاؤوا أقعدونا في البستان ، واصطفّ
عمومته وإخوته وأخواته ، وأخذوا الرضا ( عليه السلام ) وألبسوه جبّة صوف وقلنسوة منها ،
ووضعوا على عنقه مسحاة ، وقالوا له : ادخل البستان كأنّك تعمل فيه ، ثم جاؤوا
بأبي جعفر ( عليه السلام ) ، فقالوا : ألحقوا هذا الغلام بأبيه ، فقالوا : ليس له ههنا أب ، ولكن
هذا عمّ أبيه ، وهذا عمّ أبيه ، وهذا عمّه ، وهذه عمّته ، وإن يكن له ههنا أب فهو
صاحب البستان ، فإن قدميه وقدميه واحدة ، فلما رجع أبو الحسن ( عليه السلام ) قالوا : هذا
أبوه . قال علي بن جعفر : فقمت فمصصت ريق أبي جعفر ( عليه السلام ) ثمّ قلت له : أشهد
أنّك إمامي عند الله ، فبكى الرضا ( عليه السلام ) ، ثمّ قال : يا عمّ ، ألم تسمع أبي وهو يقول :
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : بأبي ابن خيرة الإماء ، ابن النوبيّة الطيبة الفم ، المنتجبة الرحم »
إلى آخر الحديث . قال السيد العاملي ، في : مفتاح الكرامة : 4 / 81 : « إنّه ( عليه السلام ) مكره
على ذلك ، كما يظهر ذلك لمن اطلع على أحوال إخوته معه ( عليه السلام ) ، وقد فعلوا ما
فعلوا ممّا نسأل الله سبحانه بمحمد وآله أن يعفو عنهم ، ولا سيّما العباس ، أو
أنّه ( عليه السلام ) يعلم أنّهم هنا ما يقولون إلاّ حقّاً ، وفيه مع ذلك رفع الشبهة عنهم ، ولو أنكر
رجوعه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى القافة لكذّبه العباس مع ما سمعه من العامّة من الرجوع ، وقال
له : ما على مسحاتك من طين ، كما قال له ذلك قبل ذلك ، ولهذا وقفوا واستمرّ
في أعقابهم مدّة ، حتى إبراهيم ، والظاهر أنّ أحمد لم يقف ، ولعلّ إبراهيم رجع » .