تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
باب التسليم وفضل المسلّمين * الأصل : 1 - عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن سدير ، قال : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : إنّي تركت مواليك مختلفين ، يتبرّأُ بعضهم من بعض ؟ قال : فقال : وما أنت وذاك ؟ إنّما كلّف الناس ثلاثة : معرفة الأئمّة ، والتسليم لهم فيما ورد عليهم ، والردّ إليهم فيما اختلفوا فيه . * الشرح : قوله ( قال قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) إنّي تركت مواليك ) هذا الكلام يحتمل أمرين : أحدهما إني تركت مواليك مختلفين في الأحكام الشرعية والفروع الدينية والمسائل الكلامية حتى يبرأ بعضهم من بعض لسوء عقائده وقبح فوائده ، فأجاب ( عليه السلام ) بقوله : وما أنت وذاك ؟ يعني لا يجوز لك ولهم ذلك الاختلاف والقول بالرأي والاعتماد على العقول الناقصة وإنما يجب عليكم الرجوع إلى الأئمة والأخذ منهم حتى تسلموا من الاختلاف والبراءة ، وثانيهما : إني تركت مواليك مختلفين في التودّد والتحبّب والتألف للتحاسد والتباغض والتشاجر حتى يبرأ بعضهم من بعض لفوات روابط الاُلفة بينهم فأجاب ( عليه السلام ) بقوله : « وما أنت وذاك » أيّ لا ينبغي لك لومهم بذلك لأن الناس إنّما كلّفوا بأمور ثلاثة مذكورة وموالينا قد تمسّكوا بها فلا لوم عليهم بعد ذلك ، والحصر إضافي أو حقيقي ادعائي باعتبار أن بواقي التكليف أمر هيّن بالنسبة إلى المذكور . قوله ( معرفة الإمام ) ( 1 ) المراد بها هو الإذعان بأنه إمام والإيقان بأنه واجب الإطاعة من قبله تعالى وليس المراد بها معرفة شخصه وعينه . قوله ( والتسليم ) وهو فوق الرضا لأن الراضي يرى لنفسه وجوداً وإرادة إلاّ أنه يرضى بما صدر منهم ( عليهم السلام ) وإن خالف طبعه والمسلّم بري من جميع ذلك ، وإنما نظره إليهم . إذا عرفت فنقول : من أصول الشريعة التسليم لهم ( عليهم السلام ) بكل ما جاء منهم وصدر عنهم وإن كان لا يظهر وجه حكمته للناس ولا يفهمونه فإنّ لله تعالى أسراراً ومصالح ( 2 ) يخفى بعضها ولا يعلمه
هامش
( 1 ) كذا في ما عندنا من النسخ . ( 2 ) قوله « فإنّ لله تعالى أسراراً ومصالح » قد يقتضي المصلحة إخفاء بعض الاُمور أو التعبير عنه بعبارة دون أخرى أو العدول من الحقيقة إلى المجاز وأمثال ذلك وهذا واضح يعرف كلّ أحد في أمور نفسه وأوامره بالنسبة إلى خدمه وعبيده وأولاده ، ويجب التسليم لجميع ما ورد منهم ( عليهم السلام ) ورد علمه إليهم سواء عرفنا حقيقته أم لا وإن كان فيما ورد عنهم ما نعلم قطعاً عدم صحّته كتجويز الطلاق ثلاثاً من غير رجعة أو المسح على الخفين أو بماء جديد فلا نرفع اليد عن المسلّمات والضروريات ، ومع ذلك نرد علم ما خالفه إليهم وما ورد في المبدء والمعاد والمعراج والنبوّة وعذاب القبر وثوابه من الأمور التي لا نعرف حقيقتها خصوصاً فيما يتعلّق بتجسيم الله تعالى ممّا نعلم عدم إرادة الظاهر منها كذلك نسلمها من غير بحث ونردّ علمه إليهم ، مثلاً كيف يعذّب أحد في القبر ولا يراه أحد وكيف يكون القبر للصلحاء روضة من رياض الجنّة وبجنب الصالح رجل شقي وقبره مملوء ناراً ولا يستفيد هذا من روضة ذلك ولا يستضرّ ذلك من نار هذا ، وما كان السماوات التي عبرها النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليلة المعراج وما نقله لنا ممّا رآه هناك من الملائكة والجنّة والنار وتعذيب أهلها هل كان بحيث يراه كلّ أحد غيره إن صعد إلى السماء أو هي أمور ملكوتية تختص رؤيتها بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وغير ذلك ، ولو عمل الناس بهذه القاعدة أعني التوقّف والتسليم لم يضلّوا ، ولكن أصرَّ بعضهم على التمسّك بالظاهر فوقعوا في التجسيم وأثبتوا له تعالى عيناً ويداً ووجهاً ورأوا الخروج من ظاهر الألفاظ بدعة مضلّة وبعضهم أصرَّ على التأويل وكما أن التأويل مزلّة كذلك الإصرار على الظاهر مزلّة . ثم اعلم أن ما يتضمّن هذه الروايات من الأصول الاعتقادية لا يجب أن يكون معلوماً تفصيلاً لجميع الناس بل يكفي فيه العلم الإجمالي والتصديق بالواقع وإن كان مجهولاً لنا كيفيةً وتفصيلاً ، ونظيره تفاصيل الرجعة وما سبق من أعمال القائم ( عليه السلام ) ونوّابه بل وتفصيل أحواله زمان الغيبة وغير ذلك إذ لا يتعلّق بالعمل وما يتبادر إليه الذهن ليس بحجّة كما كان يتبادر إلى ذهن كثير منهم إن الفرج قريب جدّاً وإنّما التبادر حجّة فيما يتعلّق بالأعمال الفرعية التي لابدّ أن يعلم المكلّف بها تفصيلاً حتى يتمكّن من العمل ويعذر إن أخطأ في فهم المراد وعمل على وجه لم يرده الشارع وقد تبيّن في الأصول أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز لا عن وقت العمل ( ش ) .