فظهر أنّ تسمية هذه الحركة التي نحن نتكلَّم عليها بالطبيعة أولى من ذلك ، فإنّ تلك الحركة إنّما عرض لها باعتبار حالة غريبة ، خارجة عن طبيعته وإليه أشار بقوله : ( فإذا تحرّك حجر ، فإنّما يتحرك بغيره ) ، فإنّ الحركة الطبيعيّة الأصليّة منحصرة في الصور الثلاث ، وهذا أيضا من سريان سرّ الفرديّة الختميّة - فتأمّل .
[ رجوع إلى تفسير قوله صلَّى الله عليه وآله : وجعلت قرة عيني في الصلاة ]
( وأما قوله : « وجعلت قرّة عيني في الصلاة » ولم ينسب الجعل إلى نفسه - فإنّ تجلَّى الحقّ للمصلَّي إنّما هو راجع إليه تعالى ، لا إلى المصلَّي ) ولذلك قيل له : « المصلَّي » ، إذ الحقّ في ذلك المضمار هو السابق ( فإنّه لو لم يذكر هذه الصفة ) الكاشفة له عن تجلَّي الحقّ - وهو الذكر الذي من الله أكبر - ( عن نفسه ، لأمره بالصلاة على غير تجل منه ) - أي من الله - ( له ، فلما كان منه ذلك ) التجلَّي ( بطريق الامتنان كانت المشاهدة ) - المعبّر عنها بقرّة العين - ( بطريق الامتنان ، فقال : « وجعلت قرّة عيني في الصلاة » ) وما قال :
« جعلت » ، ليدلّ أنّ المشاهدة مجعولة بطريق الامتنان في حقّه ، وإن كانت الصلاة من موضوعات النبيّ ومجعولاته ، لأنّ النبيّ من حيث أنّه نبيّ جعلها .
( وليس ) تلك القرّة ( إلا مشاهدة المحبوب التي تقرّ بها عين المحبّ - من الاستقرار - فتستقرّ العين عند رؤيته ) استقرار تمكَّن ، وأصل ذلك من القرّ ، وهو البرد ، لأن البرد يقتضي السكون ، كما أنّ الحرارة تقتضي الحركة ، ومنه قوله تعالى : * ( هَبْ لَنا من أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) * [ 25 / 74 ] وهي ما يسكَّن به العين ، فلا يطمح إلى غيره وكذلك فيما نحن فيه .
هامش
( 1 ) د : طبيعة .