حقائقها الوجوديّة ، ( ففرّ ) عندما هو الظاهر عند العامّة ( لمّا خاف وفي المعنى : ففرّ لمّا أحبّ النجاة من فرعون وعمله به فذكر السبب الأقرب المشهود له في الوقت الذي هو كصورة الجسم للبشر ) ، فإنها الصورة الكونية للشخص ( وحبّ النجاة متضمن فيه تضمين الجسد للروح المدبّر له ) وهو صورة حقيقته الوجوديّة .
[ الأنبياء يتكلمون بلسان العموم ، والخاصة يفهمون منهم الإشارات ]
ثمّ إنّه يمكن أن يقال : « لو كان الأمر كذلك ، كان منطوق التنزيل على طبقه ، والواقع على خلاف ذلك فإنّ منطوق التنزيل في هذا الأمر أنّ سبب الفرار إنما هو الخوف ، بقوله : * ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ) * [ 26 / 21 ] » .
فأشار إلى دفع ذلك بقوله : ( والأنبياء لهم لسان الظاهر به يتكلَّمون لعموم الخطاب ) ، فإنّ بعث الأنبياء للعامّة أولا ، وكلامهم في ظاهر ما فهم منه معهم ، والخواصّ إنما يفهمون الحقائق منه بضرب من الإشارات الخفيّة والدلالات الطبيعيّة ، دون الجعليّة الوضعيّة ، ( واعتمادهم ) في اخفاء الحقائق ( على فهم العالم السامع ، فلا يعتبر الرسل ) عند إظهار الأحكام في الصور الكلاميّة ( إلَّا العامّة ، لعلمهم بمرتبة أهل الفهم ، كما نبّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على هذه المرتبة في العطايا ، فقال : « إنّي لاعطى الرجل - وغيره أحبّ إليّ منه - مخافة أن يكبّه الله في النار » ) ، فعلم أنّه في إحكام رقيقة الأبعدين ، مخافة أن يبعدوا عنه كلّ البعد ، فيكبّوا في النار .
هامش
( 1 ) عفيفي : مضمن .
( 2 ) مسلم : كتاب الإيمان ، باب ( 68 ) تألف قلوب من يخاف على إيمانه لضعفه ، 1 / 132 .