أما في الاتّحاد : فلأنّه وإن اشتملت عبارته على ضمير الغائب ، ولكنّه كناية عن يحيى ، وهو مشهود حاضر ، فله الدلالة على الاتّحاد الكمالي ، مع قيامه بشرائط مقامه الذي يتكلَّم فيه ، فإنّه لسان النبوّة وينبغي أن يتكلَّم به بما لا يأبى مدارك أهل الحجاب عنه .
وأما في الاعتقاد : فلأنّه أدفع للاحتمالات الواهية المرخية لعقود الاعتقادات - ( وأرفع للتأويلات ) المشوّشة للمتردّدين من أهل الحجاب ، الذين معهم كلام الأنبياء ظاهرا ( فإنّ الذي انخرقت فيه العادة في حقّ عيسى إنما هو النطق ) فقط ، وذلك إنما يستلزم تمكَّن عقله وتكمّل آلات النطق الإنسانية وتماميته ، ( فقد تمكَّن عقله وتكمّل في ذلك الزمان الذي أنطقه الله فيه ، ولا يلزم للمتمكَّن من النطق - على أيّ حالة كان - الصدق فيما به ينطق ) لزوما عقليّا برهانيّا خاليا عن قرائن الأحوال وخصائص المواد ( بخلاف المشهود له ) وقد نبّهت آنفا على وجه هذه العبارة ، من أنّ الضمير وإن كان ضمير غائب ، فإنّ مؤدّاه مشهود حاضر ( كيحيى ) .
( فسلام الحق على يحيى من هذا الوجه أرفع للالتباس ) الذي لأهل الحجاب ، فسلام الحق ( الواقع في العناية الإلهية به ) - فيما فيه من أطوار النبوّة وإحكام أحكامها [ ألف / 304 ] - ( من سلام عيسى على نفسه ، وإن كانت قرائن الأحوال ) الخارجة عن دلالة الألفاظ ( تدلّ على قربه من الله في ذلك وصدقه إذ نطق في معرض الدلالة على براءة امّه في المهد ، فهو
هامش
( 1 ) راجع أيضا الفتوحات المكية : 3 / 346 ، الباب السابع والستون وثلاثمائة .
( 2 ) عفيفي : فهذا .