فلئن قيل : فكيف يكون الشيطان هو البعد ، وله وجود في العين كما لا يخفى ؟
قلنا : إن البعد المطلق - من حيث هو هو - وإن لم يكن له وجود عيني ، ولكن أفراده المشخّصة منه موجودة في الخارج وهو البعد المشخّص في البعيد .
وإلى ذلك أشار بقوله : ( مع ثبوت أحكامهما في البعيد والقريب ) .
[ لا مباينة بين صبر العبد ودعائه لكشف الضرّ ]
ثمّ إنّ هاهنا سرّا عزيزا يدلّ على علوّ ذوق أيوب في العلم باللَّه ، وعلى قرب صاحب هذه الإضافات المتقابلة من الذات وهي أنّ أبين وصف للهويّة الذاتيّة الإطلاقيّة هو جمعيّة الأضداد - كما عرفت غير مرة - وقد أشير في قوله : * ( مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ ) * [ 38 / 41 ] إلى تلك الجمعية - على ما لا يخفى على الفطن - وإليه أشار بقوله : ( واعلم أن سرّ الله في أيّوب الذي جعله عبرة لنا وكتابا مسطورا حاكيا ، يقرؤه هذه الامّة المحمديّة ) ، التي لها جمعيّة كمالات الأمم السالفة ، وقابليّة استفهام جوامع الكلم وتعلَّمها ، ولذلك قال : ( لتعلم ما فيه ، تلحق بصاحبه ، تشريفا لها ) ، وحسبهم تشريفا وتعظيما أنّ سائر أساطين الأنبياء السالفة وأممهم قد ظهر لهم بالوجود الكلامي كاشفا عن دقائق عرفانهم وإيقانهم ، حاكيا عن كنه تجاربهم ومآل آمالهم ، عبرة لهذه الامّة الشريفة عن جملة ما كانوا عليه في أحوالهم . وذلك الظهور تارة في الصور الكتابيّة مسطورا ، منبّها بها إلى جلائل
هامش
( 1 ) د : حاليا .