فكر ، وهو العلم الصحيح ، وما عداه ) - أي ما عدا ما كان عن شهود وذوق - ( فحدس وتخمين ) ، فإنّ الحدسيّات والمتواترات والتجربيّات وإن عدّت من اليقينيّات عند أهل النظر ، ولكن لما أمكن فيها تطرّق الشبه من قوّتي الوهم والخيال ما عدّها من العلم وكذلك البرهانيّات إذا استحصلت بمجرّد الفكر العاري عن الذوق جملة ، ولذلك أطلق عليه التخمين ، الذي فيه بقيّة تردّد الظن وتشويشه . ولذلك قال : ( ليس بعلم أصلا ) ، ولذلك لا تراها لمتعطَّشي بوادي الطلب عند الاستفاضة منها أنّها تشفي غلَّتهم ، ولا لمتخمّصي سني الافتقار أنها تسمنهم أو تغنيهم من جوع وأنت عرفت أنّ الماء صورة العلم ، فهو الذي يزيل ألم العطش الذي من نصب المتعلَّقات المحلَّلة للروح وعذابها .
( ثمّ كان لأيّوب ذلك الماء شرابا لإزالة ألم العطش الذي هو من النصب ) - أي التعب - وهي التعلَّقات الناصبة للشخص في مناصب المتجوّهين وأنصابهم الشاغلة المتعبة ، ( والعذاب ) وهو ما يستعذبون منها من مؤلمات الروح ومكدّرات لطائف صفوه ، وهو ( الذي مسّه به الشيطان - أي البعد عن الحقائق أن يدركها على ما هي عليه . فيكون بإدراكها في محلّ القرب ) .
[ الشيطان والبعد ]
ولما كان الشيطان مبدأ الأحكام العدميّة كلها ، وأصل ذلك هو النسبة التي مبدأ سائر التعيّنات ، فهو النسبة التي هي مبدأ الأوصاف العدميّة .
هامش
( 1 ) إن أراد من الاستعذاب : الاستعذاب والالتذاذ حال تغطيهم بالغطاء أي في حال حياتهم الدنيا ومن الإيلام : الإيلام والتكدر والمتألم بعد كشف الغطاء ، فهو الحق . وإن أراد منه الالتذاذ والاستعذاب بعد كشف الغطاء والخروج من الدنيا - كما هو مشربهم الكدر المتكدر من انقطاع الألم والعذاب وانقلاب العذاب إلى العذب الفرات - فهو كتم الحق وكتمانه وإنكاره ، نشأ من أصولهم الفاسدة الباطلة - نوري .