والتفصيل الجمعيّ ، حان أن ينتقل إلى النظم ويتنقل في مجلس انبساط الذوق ونشوات معارفه المنعشة للروح بلطائف ثمرات الوقت ويوانع الزمان ، من مقطعات التفصيل ومنظومات الإجمال ، فإنّك قد نبّهت غير مرّة على أنّ النظم يكشف عن وجوه جمال الإجمال ما لا يكشفه غيره من العبارات ، بقوله :
( فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا )
مشاهدة يقين عينيّ ، فإنّه يفهم من مسطورات صحائف الأكوان ، سيّما في هذه الأوان ، أمر الإجمال على التفصيل الذي حقّقه ، واقتصاره على الفهم تنبيه على أنّ الزمان هذا مما يكفيه مجرّد الفهم ، ولا يحتاج إلى ترقّيه إلى رتبة الذوق ، لأنّ العقل إذا صفى موارد إدراكاته عن شوائب التقليدات وشواكل العقائد من الخياليّات لا يقصر فهمه عن إدراك الحقّ فيه .
( وإن لم يكن فهم فيأخذه عنّا )
وذلك أيضا بعد تصفية الباطن عن ضروب العقائد التقليديّة الظنيّة ، حتى يكون له قابليّة الأخذ من ذوي الحقائق اليقينيّة . وفيه استشعار ما ورد في الحديث : « الناس عالم أو متعلَّم والباقي همج » وإليه إيماء بقوله :
( فما ثمّ إلا ما ذكرناه فاعتمد
عليه وكن بالحال )
التي أنت ( فيه ) في زمانك ، ( كما كنّا ) في زماننا
( فمنه إلينا ما تلونا عليكم )
من الصور الكتابيّة والكلاميّة المنزلة التي هي الكاشفة عن كنه التفاصيل ، كما بيّن في ديباجة الكتاب ،
هامش
( 1 ) د : اشعار .
( 2 ) حكي الدارمي ( باب فضل العلم ، 1 / 94 ) عن خالد بن معدان : « الناس عالم ومتعلم وما بين ذلك همج لا خير فيه » .