يرحم الحق إلا نفسه . فهو ( راحم ) في
مقام جمع الأحدية ، ( مرحوم ) في مقام التفصيل والكثرة . وإليه أشار بقوله : ( وأما الإشارة من
لسان الخصوص ، فإن الله وصف نفسه ب ( النفس ) ، بفتح الفاء ، وهو من باب ( التنفيس ) ) أي ،
وصف لسان نبيه نفسه بأن له ( النفس ) . وهو مأخوذ من ( التنفيس ) ، لأنه إرسال الهواء
الحار من الباطن ، وإيراد الهواء البارد لترويح المتنفس عن الكرب ، فالتنفس إنما
يتنفس دفعا للكرب . فشبه النفس الإلهي بالنفس الإنساني .
وأضاف ( الكرب ) إليه لا من حيث إنه غنى عن العالمين ، بل من حيث إنه
رب لهم . وكربه طلب الأسماء الإلهية الباقية في الذات الأحدية بالقوة ظهورها
وعيانها ، فتنفس وأوجد أعيان تلك الأسماء ، فظهرت الإلهية .
( وأن الأسماء الإلهية عين المسمى ) . أي ، من حيث الوجود وأحدية
الذات ، وإن كانت غيرا باعتبار كثرتها . ( وليس
إلا هو ) . أي ، وليس المسمى إلا عين هوية الحق ، أو وليس ذلك النفس إلا عين الهوية السارية في الموجودات
كلها .
( وإنها طالبة ما تعطيه من الحقائق ) . أي ، وإن الأسماء طالبة وجود ما
تعطى الحقائق الكونية للحق من الأحكام والصفات الكونية . وفي
بعض النسخ : ( ما تعطيه من الحقائق ) . أي ، وإن الأسماء طالبة للحقائق .
وفاعل ( تعطى ) ضمير ( الأسماء ) .
ويؤكد الثاني قوله : ( وليست الحقائق التي يطلبها الأسماء إلا العالم ، فالألوهية
تطلب المألوه ، والربوبية تطلب المربوب ) .
واعلم ، أن الشيخ ( رض ) يستعمل في جميع كتبه ( المألوه ) ويريد به (
العالم ) . واللغة يقتضى أن يطلق على الحق ، إلا في بعض معانيه . لأنه مشتق من
( أله ) وله معان متعددة :
يقال : أله ، يأله ، إلهة . أي ، عبد عبادة ، فالمألوه هو المعبود .
وثانيها ، ( الفزع ) و ( الالتجاء ) . يقال : أله إلى زيد . أي ، إلتجاء إليه ،
شرح فصوص الحكم — صفحة 767
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٧٦٧