والقابلية مركوز كامن فيه حاصل له ب ( الفيض الأقدس ) . وإليه أشار قوله
تعالى : ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها
قالتا أتينا طائعين ) . فإن الحق أمرهما بالإتيان إلى الوجود العيني ، والإتيان صدر
منهما .
( فما أوجد هذا الشئ بعد أن لم يكن عند الأمر بالتكوين إلا نفسه ، فأثبت الحق
تعالى أن التكوين للشئ نفسه ) ( نفسه ) ، بالجر ، تأكيد ( للشئ ) . ( لا للحق .
والذي للحق فيه أمره خاصة . وكذا أخبر عن نفسه في قوله : ( إنما أمرنا لشئ إذا
أردناه أن نقول له كن فيكون . فنسب ( التكوين ) لنفس الشئ ) . أي ، إلى
نفس الشئ . ف ( اللام ) بمعنى ( إلى ) . ( عن أمر الله وهو الصادق في قوله . وهذا
هو المعقول في نفس الأمر . كما يقول الآمر ، الذي يخاف فلا يعصى ) على البناء
للمفعول . ( لعبده : قم . فيقوم العبد امتثالا لأمر سيده . فليس للسيد في قيام
هذا العبد سوى أمره له بالقيام . والقيام من فعل العبد ، لا من فعل السيد ) . معناه
ظاهر .
فإن قلت : الأشياء قبل وجودها معدومة ، فكيف تتصف بالامتثال والقبول
للأمر والانقياد ؟ وهذه المعاني إنما تحصل مما له الوجود ، وكيف يمكن أن
يتكون الشئ الذي وجوده مستفاد من غيره بنفسه ؟ وكيف يقاس ما ليس بموجود
إلى ما هو موجود ، كمثال العبد والسيد ؟
قلت : إنها موجودة بالوجود العلمي الإلهي أزلا وأبدا ، وإن كانت معدومة
بالنسبة إلى الوجود الخارجي . وهذه الصفات التي للأشياء ليست من
لوازم الوجود الخارجي فقط ، بل من لوازم الوجود العلمي ، فهي متصفة بها أيضا
حال كونها متصفة بالوجود العلمي . غاية ما في الباب ، أن هذه الصفات يتفاوت
ظهورها بحسب عوالمها التي هي فيها ، كما يتفاوت الأعيان باللطافة والكثافة في
عالم الأرواح والأجسام .
وسر نسبة ( التكوين ) إلى الأعيان وتحقيقها ، أن تلك الأعيان لكونها
عين الحق من حيث الحقيقة لها الظهور والإظهار لنفسه في جميع مراتب الوجود ،
شرح فصوص الحكم — صفحة 754
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٧٥٤