وأما القاطعون هم الجنائب )
أي ، هم المحجوبون البعداء عن الحضرة ومعرفة حقائق الأشياء ، وإن قطعوا
براري عالم الملك بالاستدلال من الأثر إلى المؤثر بعقولهم المشوبة بالوهم المحجوبة
عن حقيقة العلم . إذ هي جمع ( جنيبة ) . وهي فعيلة من ( الجنوب ) ، وهي البعد ،
كما قال :
هواي مع الركب اليمانين مصعد * جنيب وجثماني بمكة موثق
وكان الحق أن يقول : فهم الجنائب . ب ( الفاء ) ، جوابا ( أما ) ، لكنه
حذف للضرورة . ولو قال : فهم جنائب ، لكان أنسب .
( وكل منهم يأتيه منه * فتوح غيوبه من كل جانب )
أي ، كل واحد من القائمين ، يأتيه من عند الله فتوح الأسماء الإلهية
والتجليات الذاتية من جوانب الحضرات الروحانية والجسمانية . فضمير ( منه )
و ( غيوبه ) عائد إلى ( الحق ) .
و ( الفتوح ) يجوز أن يكون مفردا بالمعنى المشهود المذكور . ويجوز أن يكون
جمعا للفتح ، كالقلوب للقلب . ويجوز أن يحمل ( وكل منهم ) على
( القائمين ) و ( القاطعين ) . لأن المحجوبين أيضا لهم فتوح غيوب الحق من حضرات الأسماء
التي تربهم وتختص بهم .
( اعلم ، وفقك الله ، أن الأمر مبنى في نفسه على الفردية ) . لما كانت ( الحكمة
الفتوحية ) حاصلة من مفاتيح الغيب التي هي سبب الإيجاد ، قال : ( إن الأمر )
أي ، أمر الإيجاد . ( مبنى في نفسه على الفردية ) أو الشأن الإلهي وظهوره في نفسه
بصورة خلقه مبنى عليها . أو أمره بقوله : ( كن ) مبنى عليها .
والمراد ب ( الفرد ) هنا ما يقابل الزوج ، لا ( الفرد ) الذي هو اسم من أسماء
الذات بمعنى ( الواحد ) .
شرح فصوص الحكم — صفحة 752
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٧٥٢