واعلم ، أن الرد والإنكار إنما يقع في التجليات الإلهية . لأن الحق تارة يتجلى
بالصفات السلبية ، فتقبله العقول ، لأنها منزهة مسبحة للحق عما فيه شائبة
التشبيه والنقصان ، وينكره كل من هو غير مجرد ، كالوهم والنفس المنطبعة
وقواها ، لأن من شأنهم إدراك الحق في مقام التشبيه والصور الحسية . وتارة يتجلى
بالصفات الثبوتية ، فتقبله القلوب والنفوس المجردة ، لأنها مشبهة من حيث
تعلقها بالأجسام ومنزهة باعتبار تجردها ، وتنكره العقول المجردة لعدم إعطاء
شأنها إياها ، بل ينكر تلك الصفات أيضا بالأصالة . وفي هذا التجلي قد يتجلى
بصور كمالية ، كالسمع والبصر والإدراك وغيرها ، وقد يتجلى بصور ناقصة من
صور الأكوان ، كالمرض والاحتياج والفقر ، كما أخبر الحق عن نفسه بقوله :
( مرضت ، فلم تعدني ، واستطعمت ، فلم تطعمني ) . وقوله : ( من ذا الذي
يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ) . وأمثال ذلك . فيقبله العارفون مظاهر الحق ،
وينكره المؤمنون المحجوبون لاعتقادهم بأن الحق ما يتنزل عن مقامه الكمالي .
فقبل كل منهم ما يليق بحاله ويناسبه من التجليات الإلهية ، وأنكره ما لم يكن
تعطيه شأنه . والإنسان الكامل هو الذي يقبل الحق في جميع تجلياته ويعبده فيها .
ولما كانت العقول الضعيفة عاجزة من إدراك التجليات الإلهية في كل موطن
ومقام والنفوس الأبية طاغية غير معظمة لشعائر الله ، أوجب إسناد الصور
الكمالية إليه ، ورد ما يوجب النقصان عنه ، مع أنه هو المتجلي في كل شئ ،
والمتخلي عن كل شئ ( 15 )
( فللواحد الرحمن في كل موطن من الصور ما يخفى وما هو ظاهر )
هامش
( 15 ) - قوله : ( ولما كانت العقول . . . ) إعتذار عن الشيخ حيث فصل بين الصور الناقصة
وغيرها ، مع أنه من أصحاب القلوب وأرباب النواظر الصحيحة ، خصوصا مع كونه قائلا
عن لسان رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بأن ذلك وقع منه بمناسبة حال
المحجوبين والجمهور من الناس ، لا بالنسبة إلى حال نفسه ومقامه . ( الامام الخميني مد ظله )