لا أنه يدركه ، إذ لو كان مدركا له ، لكان يدركه كل واحد لظهور الخيال في كل
واحد ، بخلاف القلب ، فإنه خفى لا يظهر إلا لمن كحلت بصيرته بنور الهداية .
وما يجده كل واحد في خياله من المنامات الصادقة ، إنما هو بمقدار صفاء قلبه
وظهوره ، لا بحسب خياله .
( لو أن العرش وما حواه مأة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ، ما
أحس به ) . وإنما قيد ب ( قلب العارف ) لأن قلب غيره ، من أصحاب الأخلاق
الحميدة والنفوس المطمئنة ، ما يشاهد إلا شيئا قليلا ، ولا يكاشف إلا نذرا
يسيرا . وقلب صاحب النفس الأمارة واللوامة أضيق شئ في الوجود ، بل لا قلب
له حينئذ لاختفائه ، وظهور النفس بصفاتها .
( وهذا وسع أبى يزيد في عالم الأجسام ) أي ، وسع قلبه ، لأنه ما يخبر إلا عما
يجده في قلبه ، لا وسع مرتبة القلب إذا كان في غاية كماله . لذلك قال : ( بل
أقول : لو أن ما لا يتناهى وجوده ) أي ، من عوالم الأرواح والأجسام . ( يقدر انتهاء
وجوده مع العين الموجدة له ) ( 18 ) وهو الحق المخلوق به السماوات والأرض ، أي ،
الجوهر الأول الذي به وجدت السماوات والأرض .
( في زاوية من زوايا قلب العارف ، ما أحس بذلك في علمه ) . وذلك لأن
الحق تجلى له باسمه ( الواسع ) و ( العليم المحيط بكل شئ ) ، فيسع الممكنات
كلها . وأما كونه لا يحس بها ، فذلك لاشتغال القلب عنها بمبدعها وخالقها ، بل
هامش
( 18 ) - أي ، هذا مقام أبى يزيد بحسب مقام قلبه المقيد المتوجه إلى عالم الأجسام . واما وسعه
بحسب مقام قلبه الإطلاقي ، فهو الذي قال : ( بل أقول : لو أن . . . ) . وأما قوله :
( مع العين الموجدة له ) لو كان المراد مقام ( الفيض المقدس الإطلاقي ) فيشكل الأمر حيث
إن لا مقام فوق ذلك حتى يكون وعائه . والجواب أن مقام ( المشيئة المطلقة ) مقام التدلي
وفوقه ( أو أدنى ) الذي هو الاضمحلال في الأحدية والبقاء بالواحدية . ولو كان المراد منها
التعين الأول ومما لا يتناهى وجوده ما عداه من العقول ، فالأمر واضح لا سترة عليه . ( الامام
الخميني مد ظله )