( فأعبده ) ( الفاء ) للنتيجة . أي ، تترتب عبادتي لي على عبادته لي بالإيجاد
والإظهار . وعبادتي له في الظاهر هي إقامة حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه ،
وفي الباطن قبول تجلياته الذاتية والأسمائية وإظهار أحكامها . وإطلاق ( العبادة )
على الحق وإن كان شنيعا ونوعا من سوء الأدب في الظاهر ، لكن أحكام
التجليات الإلهية إذا غلب على القلب بحيث يخرجه عن دائرة التكليف
وطور العقل ، لا يقدر القلب على مراعاة الأدب أصلا ، وترك الأدب حينئذ
أدب ( 22 ) كما قيل ، شعر :
سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا * جبال حنين ما سقوني لغنت
وأقول ، شعر :
هامش
( 22 ) - قوله : ( وترك الأدب . . . ) أقول : اعلم ، أن الأدب مع الحق حفظ ما يكلف الحق به ،
ولا يكلف الحق نفسا إلا وسعها . وما يعد سوء الأدب في الظاهر هو ما في وسع العبد
السالك عند غلبة أحكام التجليات على قلبه ، لا ما يعد أدبا عند الصحو ومن حيث
الظاهر . وأيضا ، العبد حينئذ مقهور مغلوب ، فما صدر عنه صدر عن القاهر والغالب ،
فترك الأدب على طاعة القاهر العادل بما أمره أدب . قال الشارح المحقق الكاشاني : (
ويعبدني بتهيئة أسباب بقائي ونمائي ، وإجابتي لما سألته بلسان حالي ، كما قال ، عليه السلام
حين قال له أبو طالب : ( ما أطوع لك ربك يا محمد قد ) ( وأنت يا عم إن أطعته أطاعك ) .
والطاعة من جملة العبادة ) . أقول : ليس المراد من ( الطاعة ) الطاعة الحقيقية ، بل الطاعة
بمعنى ( المطاوعة ) .
والعبادة الحقيقية من العبد ، وإجابة الحق لمسؤول العبد . وإطلاق ( العبادة ) و ( المطاوعة ) في المقام على سبيل المشاكلة وغيرها من المعاني . ونحن نعلم
أن الشيخ بلغ إلى غاية الكمال وتجاوز عن مقام الشطح والمغلوبية ، وهو ، رضي الله عنه ،
من جملة أكابر الأدباء مع الحق . والشارح العلامة عد الشيخ الأكبر من جملة المغلوبين
والواقفين في منزل الشطاح المغلوب . ولعله كان معتقدا بأن برح الواجد وشطح المشطاح
مقاما . ومعلوم عند أهل الله أن الشطح والتوقف في هذا الموقف نقص واضح ، ولهذا لم ير
ولم يسمع من الولي الصاحب لمقام التمكين والدعوة النبوية ما يوهم الشطح . ( ج )