( نعم ، تعرف ذات قديمة أزلية لا تعرف أنها إله حتى يعرف المألوه ، فهو الدليل
عليه ) . أي ، إذا أمعن النظر صاحب الفطانة والذهن المستقيم في نفس الوجود ،
يمكن أن يعرف أن ذاته قديمة أزلية واجبة ، هي لها بذاتها لا بحسب الاستدلال ،
بل بوجدان الأمر على ما هو عليه على سبيل الذوق . ثم يتمكن من التنبيه لغيره
أيضا ، ليجد هو أيضا كذلك . كما بينا في فصل الوجود في أول الكتاب . أما المعرفة
بأنها إله صاحب أسماء وصفات ، فلا يمكن حتى ينظر إلى العالم ، فيستدل
بالعبودية على المعبودية ، وبالمربوبية على الربوبية . ف ( العالم ) هو الدليل على الإله
من حيث إنه إله ، لذلك قيل إنه مأخوذ من ( العلامة ) وهي الدليل .
( ثم ، بعد هذا في ثاني الحال ، يعطيك الكشف أن الحق نفسه كان عين الدليل
على نفسه وعلى ألوهيته ) هذا كشف مقام الجمع . أي ، بعد
معرفة الإله بالمألوه ، ومعرفة الذات القديمة الأزلية صاحب المرتبة الإلهية والتوجه إليه توجها تاما ، تنفتح
عين بصيرتك ، فيكشف لك أن الحق هو الدليل على نفسه بتجليه الذاتي لإفاضة
أعياننا بالفيض الأقدس . وهو الدليل على ألوهيته بالتجلي الأسمائي والصفاتي
لحقائقنا ، لا غيره المسمى ب ( العالم ) . وبهذا المعنى قال رسول الله ، صلى الله عليه
وسلم ، حين سئل : ( بما عرفت الله تعالى ؟ ) قال : ( بالله عرفت الأشياء ) .
فإن السؤال كان عن الذات الإلهية ، أي بم عرفت ذات الحق . فأجاب : بالحق
عرفت الأشياء ، وبنوره ، لا عن المرتبة ، فإن العلم بالمرتبة الإلهية لا يكون إلا
بعد العلم والمعرفة بالذات ، وأين المحجوب من هذه المعرفة ؟ ومن لسان
هذين المعنيين قيل :
فلولاكم ما عرفنا الهوى ولولا الهوى ما عرفناكم
شرح فصوص الحكم — صفحة 582
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٨٢