الكثيرة ) . أي ، وإن كان للعالم كله علو بالذات من حيث الأحدية ، لكن يقع
التفاضل في الوجوه الوجودية التي هي المظاهر ، بالعلم بالله وعدمه ، والأعمال
الحسنة وعدمها ، والاتصاف بالأحوال وعدمه . ولكل أيضا درجات ، كما قال :
( والذين أوتوا العلم درجات ) . ولأصحاب الأعمال والأحوال أيضا كذلك
مقامات ودرجات ، كما لمقابليهم من الجهال وأصحاب الشرك والضلال
دركات . فحصل العلو الإضافي بين الموجودات بحسبها في العين الواحدة التي
هي عين الذات من الوجوه الكثيرة .
( لذلك نقول فيه : هو لا هو ، أنت لا أنت ) أي ، لأجل ذلك الأمر الواحد
الظاهر بمظاهر مختلفة ، نقول في كل مظهر : إنه هو عين الحق . فنحمله عليه حمل
المواطاة بهو هو ، وتسلبه عنه بقولنا : ( لا هو ) لتقيده وإطلاق الحق .
( قال الخراز ، ( 8 ) رحمه الله ، وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ، ينطق
عن نفسه ب ( أن الله لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها : وهو الأول
والآخر والظاهر والباطن . فهو عين ما ظهر في حال بطونه ، وهو عين ما بطن في حال
ظهوره ( 9 ) وما ثم من يراه غيره ، وما ثم من يبطن عنه ، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه ) .
و
هامش
( 8 ) - أحمد بن عيسى الخراز ، المعروف بأبي سعيد ، من أجلة عصره في المعرفة . ولد في دار السلام
بغداد ، ومات في سنة 227 . وقد عبر بعض أرباب السير عنه بأبي سعيد البغدادي . في
الفتوحات : ( قيل لأبي سعيد الخراز : بم عرفت الله ؟ قال : بجمعه بين الضدين : فكل
عين متصفة بالوجود ، فهي لا هي ، والعالم كله هو لا هو ، والحق ظاهر بالصورة ، هو
لا هو . فهو المحدود الذي لا يحد والمرئي الذي لا يرى . . . ) ( ج ) ( 9 ) -
في التوقيع المبارك عن مولينا وسيدنا ، صاحب الأمر ، عجل الله فرجه وأرواحنا له الفداء ،
في الأدعية الرجبية : ( يا باطنا في ظهوره وظاهرا في بطونه ومكنونه ) . صدق ولى الله ،
روحي فداه . قال شيخنا العارف ، دام ظله : والصور المرآئية مثال ذاك الظهور والبطون :
فإن المرآة ظاهرة بهذه الصور ، وهي باطنة أيضا بهذه الصور ، فإنها عين المرآة الظاهرة ،
وهي محتجبة بها ، فإنه لا يمكن رؤية المرآة بنفسه لاحتجابها . وكذا الحال في الصور الذهنية .
( الإمام الخميني مد ظله )