من الأسماء : فإما رحمة خالصة كالطيب من الرزق اللذيذ في الدنيا ، الخالص يوم
القيامة ، ويعطى ذلك الاسم الرحمن ، فهو عطاء رحماني . وإما رحمة ممتزجة كشرب
الدواء الكريه الذي يعقب شربه الراحة ، وهو عطاء إلهي . فإن العطايا الإلهية لا يمكن
إطلاق عطائه منه من غير أن يكون على يدي سادن من سدنة الأسماء ) . لما فرع من
تقرير التجليات الذاتية ، وما انجر الكلام إليه ، شرع في تقرير التجليات
الأسمائية ومنحها ، فقال : ( اعلم ، أن منح الله تعالى خلقه رحمة منه بهم ) أي ، إن
المنح والعطايا كلها لا تفيض إلا من الحضرة الإلهية المشتملة على الذات
والصفات ، لكن لا من حيث ذاتها بل من حيث صفاتها وأسمائها . وأول ما
يفيض عليهم رحمة الوجود والحياة ، ثم ما يتبعهما . وهي ينقسم ثلاثة أقسام : رحمة
محضة بحسب الظاهر والباطن ، ورحمة ممتزجة . وهي إما في الظاهر رحمة وفي
الباطن نقمة ، أو بالعكس . كما قال أمير المؤمنين ، عليه السلام : ( سبحان من
اتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته ، واشتدت نقمته على أعدائه في سعة
رحمته ) . الأولى ، كالرزق اللذيذ الطيب ، أي الحلال في الدنيا ، وكالعلوم
والمعارف النافعة في الآخرة . والثانية ، كالأشياء الملائمة للطبع ، كأكل الحرام
وشرب الخمر وسائر الفسوق الموافقة للنفس المبعدة للقلب عن الحق . والثالثة ،
كشرب الدواء الكريه الذي يعقب شربه الراحة والصحة . والأولى عطاء رحماني
بحسب ظهور الرحمة المحضة منه ، هذا من حيث إنه صفة مقابلة للإسم ( المنتقم )
لا من حيث إنه اسم الذات مع جميع الصفات ، كقوله تعالى : ( قل ادعوا الله أو
ادعوا الرحمن ) . والثانية والثالثة عطاء إلهي ، أي باعتبار جامعيته للصفات
لا باعتبار الذات . فلا يمكن إلا على يد سادن من السدنة ، أي خادم من
خدمة الأشياء ، لأن العطاء لا بد أن يكون معينا . وإذا كان كذلك ، ينسب إلى
اسم يقتضيه فينسب إليه : ( فتارة يعطى الله العبد على يدي الرحمن ، فيخلص العطاء
من الشوب الذي لا يلائم الطبع في الوقت ) أي ، في الحال وإن كان غير خالص في
المآل . فإن أمثال هذه العطايا الموافقة للطبع غالبا مما يتضمن النقمة ، فتدخل
تحت حكم ( المنتقم ) في الدنيا أو في الآخرة . ( أو لا ينيل الغرض ) أي ، يخلص ( * )
شرح فصوص الحكم — صفحة 470
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٤٧٠