أو استدراك من قوله : ( فأوجد العالم غيب وشهادة لندرك الباطن بغيبنا والظاهر
بشهادتنا ) . أي ، العالم متصف بصفاته ، إلا بالوجوب الذاتي الذي لوجود الحق . ( فلا يدركه أبدا ) أي ،
فلا يدرك العالم الحق أبدا من حيث وجوبه الذاتي ، لأن
المدرك ما يدرك شيئا بالذوق والوجدان إلا بما فيه منه ، وليس له حظ في الوجوب
الذاتي ، فلا نسبة بينهما . ( فلا يزال الحق من هذه الحيثية ) أي ، من حيث الوجوب
الذاتي . ( غير معلوم علم ذوق وشهود ، لأنه لا قدم للحادث في ذلك ) . وإنما قيد
بقوله : ( علم ذوق وشهود ) لأن الذوق والشهود يقتضى اتصاف الذائق بما
يذوقه حالا ، بخلاف العلم التصوري ، فإنه بمجرد الاطلاع على الوجوب الذاتي
وماله ذلك ، يقدر على الحكم بأنه متصف به .
( فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا ) أي ، ما جمع الله في خلق آدم بين يديه
اللتين يعبر عنهما بالصفات الجمالية والجلالية إلا تشريفا وتكريما ، كما قال : (
ولقد كرمنا بني آدم وحملنا هم في البر والبحر ) . فصار جامعا لجميع الصفات
الإلهية وكانت عينه متصفة بجميع الصفات الكونية ، فحصل عنده جميع الأيادي
المعطية والأخذية . ( ولهذا قال لإبليس : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ؟ )
وما هو ) أي ، وليس ذلك التشريف أوليس ذلك الخلق . ( إلا عين جمعه بين
الصورتين : صورة العالم ) وهي الحقائق الكونية . ( وصورة الحق ) وهي
الحقائق الإلهية . ( وهما يدا الحق ) .
وإنما جعل صورة العالم ( يدا الحق ) لأنهما مظاهر الصفات والأسماء ، لذلك
عبر عن الصفات الجمالية والجلالية باليدين كما مر . وعبر هنا عن الصورتين ب
( اليدين ) تنبيها على عدم المغايرة بينهما في الحقيقة إلا في الظاهرية والمظهرية .
وأيضا ، لما كان الفاعل والقابل شيئا واحدا في الحقيقة ظاهرا في صورة الفاعلية
تارة والقابلية أخرى ، عبر عنهما باليدين : فيمنا هما الصورة الفاعلية المتعلقة
بحضرة الربوبية ، ويسرا هما الصورة القابلية المتعلقة بحضرة العبودية ، ويجمع
المعنيين تفسيرهما بالصفات المتقابلة .
( وإبليس جزء من العالم ، لم تحصل له هذه الجمعية ) لأنه مظهر اسم
شرح فصوص الحكم — صفحة 399
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٣٩٩