وزعم بعضهم أنها قد تعمل في المعرفة ، وأنشد للنابغة :
80 - بدت فعل ذي ود ، فلما تبعتها تولت ، وبقت حاجتي في فؤاديا
وحلت سواد القلب ، لا أنا باغيا * سواها ، ولا عن حبها متراخيا
.
هامش
80 - البيتان للنابغة الجعدي ، أحد الشعراء المعمرين ، أدرك الجاهلية ، ووفد
على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنشده من شعره ، فدعا له ، والبيتان من مختار
أبي تمام .
اللغة : " فعل ذي ود " أراد أنها تفعل فعل صاحب المودة ، فحذف الفعل وأبقى
المصدر ، والود - بتثليث الواو - المحبة ، ومثله الوداد " تولت " أعرضت ورجعت
" بقت حاجتي " بتشديد القاف - تركتها باقية " سواد القلب " سويداؤه وهي حبته
السوداء " باغيا " طالبا " متراخيا " متهاونا فيه .
الاعراب : " بدت " بدا : فعل ماض ، والتاء للتأنيث ، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا
تقديره هي " فعل " قال العيني : منصوب بنزع الخافض ، أي : كفل ، وعندي أنه منصوب
على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف ، أي : تفعل فعل مضاف إلخ ، وفعل مضاف ، و " ذي "
مضاف إليه ، وذي مضاف ، و " ود " مضاف إليه " فلما " ظرف بمعنى حين ناصبه
قوله " تولت " الذي هو جوابه " تبعتها " فعل وفاعل ومفعول ، والجملة في محل جر
بإضافة لما إليها " تولت " تولى : فعل ماض ، والتاء للتأنيث ، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا
تقديره هي " وبقت " مثله " حاجتي " حاجة : مفعول به لبقت ، وحاجة مضاف وياء
المتكلم مضاف إليه " في فؤاديا " الجار والمجرور متعلق بقوله " بقت " السابق " وحلت "
حل : فعل ماض ، والتاء للتأنيث ، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي " سواد "
مفعول به لحلت ، وسواد مضاف ، و " القلب " مضاف إليه " لا " نافية تعمل عمل
ليس " أنا " اسمها " باغيا " خبرها ، وفاعله ضمير مستتر فيه " سواها " سوى :
مفعول به لباغ ، وسوى مضاف والضمير مضاف إليه " ولا " الواو عاطفة ، ولا : نافية
" عن حبها " الجار والمجرور متعلق بقوله متراخيا الآتي ، وحب مضاف وضمير المؤنثة
الغائبة مضاف إليه " متراخيا " معطوف على قوله باغيا السابق .
الشاهد فيه : قوله " لا أنا باغيا " حيث أعمل " لا " النافية عمل " ليس " مع
أن اسمها معرفة ، وهو " أنا " ، وهذا شاذ ، وقد تأول النحاة هذا البيت ونحوه - كما
أشار إليه الشارح العلامة ، نقلا عن المصنف بتأويلات كثيرة ، أحدها : أن قوله
" أنا " ليس اسما للا ، وإنما هو نائب فاعل لفعل محذوف ، وأصل الكلام على
هذا " لا أرى باغيا " فلما حذف الفعل ، وهو " أرى " برز الضمير المستتر ، وانفصل
أو يكون الضمير مبتدأ ، وقوله " باغيا " حال من نائب فاعل فعل محذوف ، والتقدير
" لا أنا أرى باغيا " ، وجملة الفعل المحذوف مع نائب فاعله في محل رفع خبر المبتدأ ،
ويكون قد استغنى بالمعمول وهو الحال الذي هو قوله " باغيا " عن العامل فيه الذي
هو الفعل المحذوف ، وزعموا أنه ليس في هذا التأويل ارتكاب شطط ولا غلو في
التقدير ، فإن من سنن العربية الاستغناء بالمعمول عن العامل كما في الحال السادة مسد الخبر
المفصحة عنه ، كما اتضح لك ذلك في باب المبتدأ والخبر ، فافهم ذلك ، والله يرشدك
ويتولاك .