الأنبياء والشرائع بأن يعلم الله تعالى أن المختارين لا يتفق منهم إلا اختيار
النبي دون غيره ، ومن الشرائع المصلحة دون غيرها ، وكيف يكون
الاختيار كاشفا لنا عن وجوب الفعل ، وإنما يجب أن نختاره إذا علمنا
وجوبه ، فالاختيار تابع ، فكيف نجعله متبوعا ، وكيف يتميز ( 1 ) الواجب
من غيره ، والقبيح من الحسن بعد الفعل فإنما يجب أن يتميزا قبل الفعل
ليكون الإقدام على ما يعلم حسنه ، ويؤمن قبحه ، ولا معنى للإكثار في
هذا الباب . فالشبهة فيه ضعيفة .
ولما تتبعنا ما أورده صاحب الكتاب في هذا الفصل وجدناه قد جمع
فيه وحشد ( 2 ) القوي والضعيف ، والبعيد والقريب ، وما أورده أصحابنا
على سبيل التحقيق وعلى سبيل التقريب ،
وقد بينا ما نعتمده في هذا الباب ، ونصرناه فيما تقدم من الكتاب
بأدلته ، وأوردنا الجواب عما يرد عليه ، وما عدا ذلك فهو غير معتمد ، ولا
دال لما ذكره صاحب الكتاب وغيره ، ومن أورد من أصحابنا فإنما قرب
بإيراده ، ولم يرد التحقيق ، وليس ذلك بعيب ، فإنه لم يعر ( 3 ) المصنفون
من الجمع بين المقرب والمحقق ، وصاحب الكتاب يعلم أنه لما تتبع هو
أدلة الموحدين على التوحيد في بعض كتبه لم يصحح منها إلا دليلين أو
ثلاثة ، وطعن على الباقي وزيفه ، فإن كان على أصحابنا عيب بأن ذكروا
في فساد الاختيار شيئا لا يلزم عند التحقيق والتفتيش فهذا العيب لازم
لخصومهم فيما هو أعظم من باب الاختيار وأفحم ، ( 4 ) وهذه الجملة
هامش
( 1 ) ع " يميز " .
( 2 ) حشد : أي جمع .
( 3 ) المراد لم يخل .
( 4 ) في ض وع " بالخاء المعجمة " ومعناه بالمهملة إسكات الخصم ، وبالمعجمة
من الفخامة أي العظمة .