المفترقون ويدخل الخارجون ولا يبقى إلا راض أو متظاهر بالرضا فأما
والأمر جرى على خلاف ذلك فالظاهر الذي لا إشكال فيه أنه عليه السلام
بايع مستدفعا للشر وفارا من الفتنة ، وبعد أن لم يبق عنده بقية ولا عذر في
المحاجزة والمدافعة ، وهذا إذا عولنا في إمساكه عن النكير على الخوف
المقتضي للتقية ، وقد يجوز أن يكون سبب إمساكه عن النكير غير
الخوف ، إما منفردا وإما مضموما إليه ، وذلك أنه لا خلاف بيننا وبين من
خالفنا في هذه المسألة أن المنكر إنما يجب إنكاره بشروط ، منها أن لا يغلب
على ظنه أنه يؤدي إلى منكر أعظم منه ، وإنه متى غلب في الظن ما ذكرناه
لم يجز إنكاره ، ولعل هذه كانت حال أمير المؤمنين عليه السلام في ترك
النكير ، والشيعة لا تقتصر في هذا الباب على التجويز ، بل تروي روايات
كثيرة أن النبي صلى الله عليه وآله عهد إلى أمير المؤمنين عليه السلام بذلك
وأخبره أن القوم يدفعونه عن الأمر ، ويغلبونه عليه ، وإنه متى نازعهم فيه
أدى ذلك إلى الردة ورجوع الحرب جذعة ( 1 ) وأمره بالإغضاء والإمساك إلى
أن يتمكن من القيام بالأمور والتجويز في هذا الباب لما ذكرناه كاف .
وإن قيل : هذا يؤدي إلى أن يجوز في كل من ترك إنكار منكر هذا
الوجه بعينه فلا نذمه على ترك نكيره ، ولا نقطع على رضاه به .
قلنا : لا شك في أن من رأيناه كافا عن نكير منكر ، ونحن نجوز
أن يكون إنما كف عن نكيره لظنه أن يعقب ما هو أعظم منه ، فإنا لا نذمه
ولا نرميه أيضا بالرضا به ، وإنما نفعل ذلك عند علمنا بارتفاع سائر
الأعذار ، وحصول شرائط جميع إنكار المنكر ، وما نعلم بيننا وبينهم خلافا
في هذا الذي ذكرناه على الجملة ، وإنما يقع التناسي للأصول إذا بلغ
الكلام إلى الإمامة ، وليس لأحد أن يقول : إن غلبة الظن بأن إنكاره
هامش
( 1 ) جذعة : فتية .