قلنا : فأي أسباب وإمارات هي أظهر مما ذكرنا وروينا ، هذا إن أردتم
بالظهور أن ينقله جميع الناس ويعلموه ولا يرتابوا به فذلك اقتراح منكم لا
ترجعون فيه إلى حجة ، ولنا أن نقول لكم : من أين أوجبتم ذلك ، وما
المانع من أن ينقل أسباب التقية قوم ويعرض عن نقلها آخرون لأغراض
لهم ، وصوارف تصرفهم عن النقل ؟ ولا خفاء بما هو في هذه الدعوى
وأمثالها على أن الأمر في ظهور أسباب التقية أوضح من أن يحتاج إلى رواية
خبر ، ونقل لفظ مخصوص ، لأنكم تعلمون أن أمير المؤمنين عليه السلام
تأخر عن البيعة تأخرا علم وارتفع الخلاف فيه ، ثم بايع بعد زمان متراخ
عن البيعة ، وإن اختلف في مدته ، ولم يكن بيعته وإمساكه عن النكير
الذي كان وقع منه إلا بعد أن استقر الأمر لمن عقد له ، وبايعه الأنصار
والمهاجرون ، وأجمع عليه في الظاهر المسلمون ، وشاع بينهم أن بيعته قد
انعقدت بالاجماع والاتفاق ، وأن من خالف عليه كان شاقا لعصا
المسلمين ، مبدعا في الدين ، رادا على الله وعلى رسوله ، وبهذا بعينه
احتجوا على من قعد عن البيعة وتأخر عنها ، فأي سبب للخوف أظهر مما
ذكرناه ؟ وكيف يراد سبب له ولا شئ يذكر في هذا الباب إلا وهو أضعف
مما أشرنا إليه ؟ وكيف يمكن أمير المؤمنين عليه السلام الخلاف على من بايعه
جميع المسلمين ، وأظهروا الرضا به ، والسكون إليه ؟ وإن مخالفه مبدع
خارج عن الملة ، وإنما يصح أن يقال : إن الخوف لا بد له من أسباب
تظهر ، وإن نفيه واجب عند ارتفاع أسبابه ، لو كان أمير المؤمنين عليه
السلام بايع في ابتداء الأمر مبتدئا بالبيعة طالبا لها ، راغبا فيها من غير
تقاعد ، ومن غير أن تأخذه الألسن باللوم والعذل ، فيقول واحد :
حسدت الرجل ، ويقول الآخر : أردت الفرقة ووقوع الاختلاف بين
المسلمين ويقول آخر : متى أقمت على هذا لم يقاتل أحد من أهل الردة ،
وطمع المرتدون في المسلمين ، ومن غير أن يتلوم أو يتربص حتى يجتمع
الشافي في الامامة — صفحة 246
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٢٤٦