فأما الكلام على الفصل الثاني وهو أن يسلم أن أبا بكر احتج بذلك
يوم السقيفة لكنا ننازعه في صحته فواضح ، وذلك أن أبا بكر لم يكن
معصوما فينتفي الخطأ عنه فمن أين ما رواه صحيح ؟ فإن احتج في صحته
بالاجماع ، وترك النكير وأن أبا بكر استشهد في ذلك بالحاضرين فشهدوا
به ، فأول ما فيه أن ترك النكير غير معلوم ، ولا مسلم لأن سعد بن عبادة
وولده وأهل بيته كانوا مقيمين على الخلاف على ما تضمنته الروايات ،
وأي نكير في الخبر أبلغ من الخلاف في متضمنه ؟ ثم لو ارتفع الخلاف
والنكير على ما ادعى لم يكن دالا على الرضا والإجماع ، لأن ارتفاع النكير
على ضربين أحدهما ، أن يرتفع على وجه يعلم أنه لولا الرضا لم يكن
مرتفعا ، والوجه الآخر أن يرتفع ويكون ارتفاعه مجوزا فيه الرضا وغيره ،
وإنما يدل على صحة الخبر ارتفاع النكير على وجه لا يكون إلا للرضا ،
ومن تأمل خبر السقيفة ، وما جرى فيها وسبب رجوع الأنصار عن الأمر
علم أن الكف وترك النكير لم يكونا للرضا .
فأما الاستشهاد بالحاضرين فمما لا يستحسن ادعاءه منصف لأن من
روى احتجاج أبي بكر على قلته لم يرو الاستشهاد ، على أن أحدا لا يمكنه
أن يدعي أنه استشهد جميع الحاضرين من المهاجرين والأنصار فشهدوا
له ، وإنما يجوز أن يدعي أنه استشهد بعضهم ، ومن استشهده فشهد له
يجوز عليه من الخطأ ما يجوز عليه ، على أنه يمكن أن يكون من سمع هذا
الخبر من أبي بكر يوم السقيفة لم ينكره ، لأنه لم يعلم بأن الأمر بخلاف ما
ادعاه ، ورواه ، وإنما يجب أن يرد من الأخبار ما لا يجوز أن يكون
صحيحا ، وليس إذا لم يردوه وينكروه فقد صدقوه وشهدوا به ، لأن أخبار
الآحاد في الشريعة الواردة بما يجوز أن يكون صحيحا غير مردودة ولا
مصدقة ، وليس له أن يقول إنهم عملوا به ، والعمل في مثل هذا الموضع
الشافي في الامامة — صفحة 194
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٩٤