الجميع معترفون بأنها أخبار آحاد وإنما يتوصلون إلى تصحيحها بالاستدلال
الذي سلكه صاحب الكتاب ، وبالغ فيه إلى هذا الموضع ، ومن حمل
نفسه في هذه الأخبار على ادعاء الضرورة عرفت صورته .
فأما قوله : " وقول من قال : المراد به أنهم لا يجتمعون على الخطأ
الذي هو بمعنى السهو ( 1 ) لا وجه له ، لأن ذلك لا يختص الأمة ، لأن حال
كل فريق منهم كحالهم في ذلك ، لأن ذلك مما لا يقتضي فيهم طريقة
المدح ، ولا الاختصاص الذي يوجب تميزهم من سائر الأمم ( 2 ) . . . " فقد
بينا فيما سلف أن لفظة الخطأ كالمجملة ، وأنه لا يستفاد من ظاهرها نفي
جميع الخطأ ، ولا نفي بعض منه معين ، وأن الواجب مع الاحتمال
الامساك عن القطع ، وانتظار الدليل المنبئ عن المراد به .
وليس يمتنع أن يريد بالكلام نفي السهو عنهم وإن شاركهم في ذلك
سائر الأمم ، وكان حكم كل فريق منهم كحكم جماعتهم في هذا المعنى ،
لأن نفي السهو عن الأمة حكم منطوق به فيهم ، وليس يدل تعليق هذا
الحكم بالأمة على نفيه عمن عداهم ، بل جائز أن يكون حكم غيرهم فيه
كحكمهم ، وهذا أصل يوافقنا عليه فيه صاحب الكتاب إلا أنه ربما تناساه
بحيث يضره التمسك به .
وليس لأحد أن يقول : فالعقل دال على نفي السهو عنهم ، فأي
وجه لحمل الخبر على ذلك مع دلالة العقل عليه ؟ والواجب أن يحمله على
أمر لا يستفيده بالعقل ، وهو الخطأ من طريق الشبهة ، وذلك أن العقل
وإن كان دالا على ما ذكر ، فغير منكر أن يرد السمع به على سبيل
التأكيد ، ولو أبطلنا ورود السمع بما يدل العقل عليه للزمنا إبطال أكثر
هامش
( 1 ) في المغني " بمعنى الشبهة " .
( 2 ) المغني 17 / 194 .