بالاجماع ، والرجوع إليه ، فقد بينا فساده ، وأنه مقتصر فيه على دعوى ،
وذكرنا حال من يخالف في الاجماع ممن لا يعترف بصحة ما ذكره ، ولا هو
بصورة من يدفع الضرورات ، وهؤلاء الذين أشرنا إليهم يقولون إن
الاحتجاج بالاجماع مما ولد الفقهاء الاحتجاج به عن قرب ( 1 ) ، وتبعهم
عليه جماعة من المتكلمين ، وأن الصحابة ومن كان في الصدر الأول لم
يعرفوه لا سيما على هذا الوجه الذي يدعيه المخالفون ، وإنما كانوا ينكرون
على من خالف الحق ، وخرج ( 2 ) عن المذهب الذي تعضده الدلائل سواء
كان ذلك المذهب إجماعا أو خلافا ، وقد أصاب صاحب الكتاب - وإن
كان لم يقصد الإصابة - في قوله : " إن حال تمسكهم بالاجماع كحال
رجوعهم إلى أخبار الآحاد " لأن الأمرين غير معلومين ولا ثابتين والمدعي
لكن واحد منهما في بعده عن الحق كالمدعي للآخر .
فأما قوله في الاستدلال على أنهم تمسكوا بذلك لأجل الخبر : " إن
شيخنا أبا هاشم عول في ذلك على أنه كما نقل عنهم التمسك بالاجماع ،
فقد نقل عنهم الاحتجاج بهذه الأخبار ( 3 ) " فقد بينا أنه لا نقل في الأول ،
ولا علم حاصلا على الوجه الذي ادعى ، فإن كان أبو هاشم يدعي نقلا
مخصوصا في احتجاج الصحابة بهذه الأخبار فيجب أن يشير لنا إليه ( 4 ) ، فإنا
ما نعرف خبرا عن أحد من الصحابة بأنه كان يحتج في الاجماع بهذه
الأخبار المدعاة ، بل قد ذكرنا أنه لم يثبت عنهم احتجاج بالاجماع على ما
يذهب إليه الخصوم جملة ، ومن رجع إلى نفسه ، وراعى النقل علم فساد
هامش
( 1 ) ولده : صنعه ، وعن قرب : أي قريب .
( 2 ) لأنه خروج ، خ ل .
( 3 ) المغني 17 / 188 .
( 4 ) أن يدلنا عليه ، خ ل .