حيث ظنوا أنها تدل على النبوة من جهة الإبانة والتخصيص ، وأن دلالتها
مخالفة لسائر الدلالات ، وأنها إذا دخلت من جهة الإبانة استحال ظهورها
على يد من ليس بنبي ، كما أن ما أبان السواد والجوهر من سائر الأجناس
يستحيل ثبوته لما ليس بجوهر ولا سواد . فباطل ، لأن شبهتهم في
اعتقادهم أن المعجزات تدل من جهة الإبانة ، وأنها تخالف من هذا الوجه
سائر الأدلة أنهم وجدوها مما يجب ظهورها وحصولها ، وليس بواجب مثل
ذلك في سائر الأدلة ، لأنه غير منكر أن يثبت كون بعض القادرين قادرا
من غير أن يقوم دلالة على أنه كذلك ، وليس يسوغ مثل هذا في دلالة
المعجزات لأنه لا بد من ظهورها على يد النبي ، أو لأنهم رأوا سائر الأدلة
لا يخرجها كثرتها من كونها دالة على مدلولاتها لأن ما دل على أن الفاعل
قادر لو تكرر وتوالى لم يخرج من أن يكون دالا ، وليس هذا حكم
المعجزات لأن كثرتها يخرجها من كونها دالة على النبوة ، وليس في شئ مما
ذكروه ما يوجب كون المعجزات دالة على جهة الإبانة والتخصيص .
أما وجوب حصولها وظهورها على يد النبي ومخالفتها في ذلك لسائر
الأدلة فليس بمقتض لما ذكروه ، لأنه إنما وجب ذلك فيها من حيث كانت
مصالحنا متعلقة بالنبي ، وكان مؤديا إلينا ، ومبينا لنا من مصالحنا ما لا
يصح أن نقف عليه إلا من جهته ، وإذا وجب على القديم تعالى تعريفنا
مصالحنا ، ولم يمكن أن نعرفها من جهة من لا نقطع على صدقه وجب أن
يظهر المعجز على يد النبي لهذا الوجه ، وليس يجب هذا في سائر الأدلة ،
لأنه ليس يجب أن يعرف أحوال كل قادر في العالم ، ولا تتعلق هذه المعرفة
بشئ من مصالحنا ، من أن في الأمور العقلية ما يجب قيام الدلالة عليه ،
ولا يقتضي ذلك من حاله مخالفته لسائر الأدلة ، ووجوب كونه دالا من
جهة الإبانة .
فأما ما حكاه ثانيا فإنه غير صحيح ، لأن كثرة المعجزات وتواتر
الشافي في الامامة — صفحة 197
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٩٧