فيقال له : وهذا أيضا مبني على توهمك الأول ، وقد مضى ما فيه
كفاية .
وجملة ما نقول : أنه ليس لأجل تقصير المكلف الذي دخلت عليه
الشبهة أوجبنا الحاجة إلى الإمام لينبهه على تقصيره ، ولكن تقصيره إذا
وقع وتعدى إلى غيره من حيث سد عليه باب العلم من جهة النقل احتيج
إلى إمام ليبين ما لا يعلمه المكلف لولا بيانه .
قال صاحب الكتاب : " فأما الشهوة والهوى والتعلق بهما فبعيد ،
لأن مع وجود الحجة لا بد من ثباتهما حتى يصح التكليف ، وإنما يكون في
التعلق بذلك فائدة لو كان عند وجود الإمام يزول ذلك ويتغير ، ومتى
قالوا : إنها وإن كانت حاصلة مع وجود الإمام فإنه ببيانه وتحذيره
يصدف ( 1 ) المكلف عن اتباع شهوته .
قيل لهم : إنما يصدف بالتنبيه والتحذير دون الاضطرار ، وذلك
ممكن من غيره ومنه ، وإن لم يكن حجة ، ويمكن المكلف من ذي قبل
فيجب الغنى عن الإمام . . . " ( 2 )
فيقال له : قد بينا فيما مضى وجه التعلق في الحاجة إلى الإمام
بالشهوة والهوى وهو بخلاف ما ظننته من أن وجوده يزيل الشهوات أو
يغيرها ، وكشفنا عن أن وجود الإمام إنما يؤثر في مقتضى الشهوات فيقلل
وقوع ما لولا وجوده لوقع من الخلف لمكان شهواتهم .
فأما قولك : " إن ذلك ممكن من غيرهم " فهو ممكن - كما قلت -
غير أنه لا يؤثر تأثير فعل الأئمة المطاعين الذين قامت هيبتهم في النفوس ،
هامش
( 1 ) يصرف ، خ ل ، والمعنى واحد .
( 2 ) المغني 20 ق 1 / 62 ، وفيه " فيجب الغنى عن الإقدام " .