التأويل عند المجسمة
:
إن من علم العربية واستذوق استعمالات المجاز والتشبيه والكناية والاستعارة
سوف لا يقع في محذور من ناحية ما ورد من الظواهر في القرآن والسنة إذا كان
غير متعصب ، بل حتى المتعصب قد يرجع إلى الذوق السليم في بعض الأحيان ، لأن
الله تعالى يظهر الحق لإحجاج المجسمة على ألسنتهم ، فهناك بعض الآيات التي
لا بد أن تؤول ولا يمكن حملها على الظاهر لأن ظاهرها تجسيم يعرفه البسطاء فضلا
عن العلماء ، ولذا اضطر ابن تيمية ومن تبعه من المجسمة أن يؤولوا قوله تعالى :
( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) بما يتفق مع ما يوافق العقل ولا
يستلزم التجسيم لأن الله أراد أن يظهر الحق على لسان من يرى أنه ينزل من
السماء كنزوله من منبره ، قال : ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن
السماء تحيط به فهو كاذب إن نقله عن غيره وضال إن اعتقده في ربه ولو سئل
سائر المسلمين : هل يفهمون من قول الله ورسوله ( إن الله في السماء ) إن السماء
تحويه لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول هذا شئ لعله لم يخطر ببالنا ( 1 ) .
ولا ندري كيف نجمع بين هذا الكلام وبين إصراره وإصرار الوهابيين على أن
الله في السماء بموجب الحديث القائل : ( الراحمون يرحمهم الرحمن ) ( ارحموا من
في الأرض يرحمكم من في السماء ) ( رواه الترمذي ) وغير من الأحاديث الدالة
على أن الله في السماء مثل ( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ) .
وقوله ( ص ) : ( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى
عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها ) رواه مسلم من
حديث أبي هريرة ، باب النكاح ، وحديث الجارية فيه كفاية على أنهم يعتقدون أن
الله في السماء ( 2 ) .
هامش
( 1 ) علاقة الاثبات والتفويض ، ص 123 .
( 2 ) علاقة الاثبات والتفويض ، ص 38 .