وأبو ذر رضي الله عنهما ، فأما سلمان ( رضي الله عنه ) فكان إذا أخذ
عطاءه رفع منه قوته لسنته حتى يحضره عطاؤه من قابل .
فقيل له : يا أبا عبد الله ، أنت في زهدك تصنع هذا ، وإنك
لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا . فكان جوابه أن قال :
ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء ، أو ما
علمتم يا جهلة أن النفس تلتات ( 1 ) على صاحبها إذا لم
يكن لها من العيش ما تعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت
معيشتها اطمأنت .
فأما أبو ذر ( رضي الله عنه ) فكانت له نويقات وشويهات
يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف
أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة ، نحر لهم
الجزور أو من الشياه ، على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم
فيقسمه بينهم ، ويأخذ كنصيب أحدهم لا يفضل عليهم .
ومن أزهد من هؤلاء ؟ وقد قال فيهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
ما قال ، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة
كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على
هامش
( 1 ) أي تبطئ وتحتبس عن الطاعات .