الكوفي ، قال : خرجت من المدينة ، فلما جزت حيطانها مقبلا نحو العراق ، إذا
أنا برجل على بغل أشهب يعترض الطريق ، فقلت لبعض من كان معي : من هذا ؟
فقالوا : ابن الرضا - عليه آلاف التحية والثناء - .
فقال : فقصدت قصده ، فلما رآني أريده وقف لي ، فانتهيت إليه لأسلم عليه ،
فمد يده إلي فسلمت عليه وقبلتها .
فقال : من أنت ؟
فقلت : بعض مواليك - جعلت فداك - أنا محمد بن علي بن القاسم الحذاء .
فقال : أما أن عمك كان ملتويا ( 1 ) على الرضا - عليه آلاف التحية والثناء - .
هامش
( 1 ) قوله : ( ملتويا ) الظاهر ، انطباق النسخ على الوجه المذكور ، كما هو الحال في
النسخة الموجودة ، بل حكاه جدنا السيد العلامة عن خمس نسخ منه .
نعم ، إنه حكاه في المنهج : ( متلونا ) كما هو المحكي عن شارح المشيخة ، والظاهر أنه
على الأول ، بمعنى الأعراض ، كما ذكر في المصباح : ( ولوي رأسه وبرأسه أماله ) .
وقال في المجمع : قوله تعالى : ( لووا رؤوسهم ) أي عطفوها وأمالوها ، إعراضا عن ذلك ،
واستكبارا ويكون ( على ) بمعنى ( عن ) كما قيل :
إذا رضيت على بني قشير * لعمر الله أعجبني رضاها
والحاصل : إنه ( كان ظ ) معرضا عن الرضا - عليه آلاف التحية والثناء - ، ومن عجيب
الأعراض عنه عليه السلام ما نقله الكشي باسناده عن يزيد بن إسحاق من أنه قال : ( خاصمني مرة
أخي ، فقلت له : إن كان صاحبك بالمنزلة التي تقول ، فاسأله أن يدعو الله لي ، حتى أرجع إلى
قولكم ، قال لي محمد : فدخلت على الرضا - عليه آلاف التحية والثناء - ، فقلت له : جعلت
فداك ! إن لي أخا وهو يقول بحياة أبيك ، وأنا كثيرا ما أناظره ، فقال لي يوما : سل صاحبك إن
كان بالمنزلة التي ذكرت ، أن يدعو الله لي حتى أصير إلى قولكم ، فأنا أحب أن تدعو الله له .
فالتفت أبو الحسن عليه السلام نحو القبلة ، فذكر ما شاء الله أن يذكر ، ثم قال : اللهم خذ بسمعه
وبصره ومجامع قلبه ، حتى ترده إلى الحق ، فلما قدم أخبرني بما كان ، فوالله ما لبثت إلا
يسيرا حتى قلت بالحق .
وربما احتمل فيه جدنا السيد العلامة وجوها آخر .
منها : أن يكون بمعنى الايثار ، كما في الصحاح : ( لويته عليه ، أي : آثرته عليه ) والمعنى أن
عمك كان بعد ممات مولانا الكاظم عليه السلام مؤثرا له على الرضا عليه آلاف التحية والثناء .
ومنها : أن يكون الكلمة بالباء الموحدة ثم النون في الاخر ، أي : كان ملبونا ، أي : يظهر منه
السفه ، ويكون ( على ) للتعليل ، ويكون الكلام على حذف المضاف ، والمعنى : إن عمك كان
يظهر منه السفاهة ، لإنكار الرضا عليه السلام . قال في الصحاح : ( قوم ملبونون ، إذا ظهر منهم السفه )
ولا يخفى ما في الوجه الثاني من البعد ، وأبعد ما ذكر بعد هما من الوجهين الآخرين . ( منه عفى
عنه ) .