لوضعت عليهم الجزية " فقال إن الحنابلة دسوا عليه من سمه " ( 34 ) .
إلا أن التاريخ لم يسجل أن أهل السنة هجموا على الحنابلة وقتلوهم أو
نهبوا أموالهم ، كما كان يفعل الحنابلة مع الشيعة . لقد تقلص حجم الحنابلة
وضعف خطرهم مع سيطرة أهل السنة ، وحوصرت دعوتهم وحركتهم ،
وتعرضوا للمضايقات بين الحين والآخر ، يذكر السبكي : إن العادل ( الأيوبي )
عزر جماعة من أعيان الحنابلة لقولهم بالتجسيم تعزيرا رادعا وأهانهم " ( 35 ) .
* وتستمر المذابح الشيعية :
وبذلك خفت حدة الفتن المذهبية . لكن الشيعة لم يتنفسوا الصعداء بعد ،
لأن القضاء على الدولة الفاطمية في الشام ومصر وأكبه مذابح فظيعة
لتجمعات الشيعة هنا وهناك . فقد أفتى الشيخ نوح بقتل الشيعة في
حلب ( 36 ) . وبعده جاء ابن تيمية الحنبلي ليحيي الصراع الحنبلي الشيعي من
جديد ، فافتى بقتل جميع شيعة الجرد وكسروان في جبال لبنان ( 37 ) . وعكف
على التأليف وإصدار الفتاوى في حقهم ، هذه الفتاوى التي حصدت ألوفا
منهم وما زالت تجثم على صدروهم ، وتطاردهم أينما حلوا أو ارتحلوا
هامش
( 34 ) مرآة الزمان ، ج 8 ق 1 ص 292 ، أنظر المرجع السابق ، ص 243 .
( 35 ) وفيات الأعيان ، ج 2 ص 168 . أنظر المرجع السابق ، ص 298 .
( 36 ) أنظر صراع الحرية في عصر المفيد ، ص 46 ، نقلا عن دول الإسلام ، ص 220 .
( 37 ) كان انتقام المماليك من أهالي كسروان انتقاما رهيبا إلى درجة تساوى فيها مع إرهاب
وتنكيل المغول ببغداد وأهاليها عام 1258 م . هذا الانتقام الدموي دفع بالسلطان الناصر بن
قلاوون أن يطلب من الإمام ابن تيمية تبرير هذه المجازر . أنظر محمد أبو زهرة ، ابن تيمية
ص 45 . ويقول الدكتور عاطف الأثات " وكان كبير أئمة السنة في الشام في تلك الحقبة
تقي الدين بن تيمية وهو شيخ المذهب الحنبلي في دمشق ، فقدم إلى كسروان عام 1304 م
على رأس وفد من الأمراء لمفاوضة الشيعة هناك في الرجوع إلى الطاعة ، فلم ينجح في
مهمته وعاد إلى دمشق بعد ذلك وأخذ يدعو في جميع أنحاء الشام إلى حملة جديدة ضد
أهل كسروان تقضي عليهم وتحد من نفوذهم نهائيا . كما أصدر فتوى بهدر دماء
الشيعة الكسروانيين وهدم بيوتهم وحرق أشجارهم . أنظر مجلة العرفان ، المجلد 77
العددان 9 - 10 ، جمادى الثانية ورجب 1414 ه ، 11 / 12 / 1993 م .