تفكير في ربط علاقات سرية سياسية مع الدولة الفاطمية أو دعاتها ، الذين
يجوبون أرض الخلافة العباسية دون أن يعرفهم أحد .
وعليه فشيعة بغداد كانوا يدفعون ثمن انتصار الفاطميين وتهديدهم
للخلافة العباسية . لكن شدة الصراع وتكاثف السلطة العباسية والحنابلة على
الشيعة ، كان يواكب تراجع قوة البويهين في العراق ، الذين لم يخفوا تعاطفهم
مع الشيعة الإمامية ، وبداية ظهور السلاجقة الأتراك في أقصى الشرق
الإسلامي ، وبما أنهم كانوا سنة ، فقد انبعث في الخلافة العباسية أمل في
استعادة بعض ما ضاع من بريقها وقوتها ، هذا الأمل الذي ترجمه القادر
العباسي بتزعمه حركة قمع البدع . والانتصار للسنة .
إن الملابسات السياسية في هذه الفترة كانت دقيقة ومعقدة ، والسياسة
وحدها هي التي كانت تمسك بخيوط اللعبة . أما حشوية الحنابلة فكانوا مجرد
أدوات ، ينفذون سياسة ماكرة ، ولا يقولن أحد أن العقيدة وحدها هي التي
كانت تتحكم في هؤلاء الحشوية وتحركهم . لأنهم كانوا ينقمعون عندما يأمر
السلطان بذلك . بل المضحك والمبكي في آن هو ما كان يقع بين الجانبين من
صلح في بعض الأحيان .
يقول ابن الأثير عن سنة ( 442 ه ) ، " بادرت الفئتان إلى الصلح ، وأخذ
الشيعة يترحمون على الصحابة ، ويصلون في مساجد السنة ، وتبادل كل فريق
أذان الفريق الآخر ، فأخذ الشيعة بالصلاة خير من النوم ، وأذن السنة بحي على
خير العمل ( 30 ) .
إذن أين موقع البدعة هنا ؟ ! وكيف يؤذن الحنابلة بحي على خير العمل ،
وقد كانوا يكفرون الشيعة من أجل ذلك ؟ ! أما الشيعة فإنهم لا يكفرون
الحنابلة أو أهل السنة ، وليس الأذان عندهم أصلا من أصول الدين حتى لو
هامش
( 30 ) الكامل ، ج 9 ، ص 561 . والعبر ، ج 3 ، ص 199 ، أنظر المرجع السابق ، ص 183 .