فاذن الناس لا يخلو من أحد الثلاثة ، اما ان يكون قد استهلك اثر القلب الاعتدالى فيه . كاستهلاك الصورة في الممسوخين ، وضاع رأس ماله واستعداده ، فهو لم يؤمل للسلوك بل من المتمكَّنين في أسفل السافلين .
واما ان يكون قد شملته العناية الإلهيّة من الوجه الخاص ، وطريق انحراف سرّه الوجودي المفاض على حقيقته ، وعليه وسع الأثر الروحاني . والنفس الانسانيّة بموجب جذبة من جذبات الحق يوازى عمل الثقلين ، فيكون من الأولياء الذين أخرجهم من الظلمات إلى النور بلا سعى وتعمّل ، وهو الذي يقطع الحجب بالجذبات الإلهيّة وهو المحبوب المراد يتخطَّف بالجذب قبل السلوك ، ولا يعرف المنازل والمقامات الا عند رجوعه من الحق إلى الخلق ، لتنوره بالنور الإلهى وتحقّقه بالوجود الحقّانى ، فيكون أكمل واتمّ من غيره في العلم والشهود ، فيكون نهاياته قبل البدايات ، ونعم ما قيل بالفارسيّة :
خوش آن مستى كه هشيار از حرم خيزد از آن غافل * كه بود اندر ميان راهى . واندر راه منزلها
واما ان يكون قد شمله التوفيق المقسوم وظهر له النور الايمانى من باطنه ورأى عينه وروحه ونفسه مسجونين في سجن التلبس بأحكام الطبيعة والشهوة وآثار الحجب والكثرة ، فتنبّه عن نوم الغفلة وتضييع الزمان والأوقات ، فيقول :
« يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله » .
هذه الطائفة الأخيرة بعد الشروع في السير ، لاختلاف استعداداتهم المفضىّ - إلى اختلاف سلوكهم ، مختلفة في قطع دائرة السلوك والهداية ودائرة الكمال والولاية بحسب الإتمام والانقطاع واللبث والوقوع والخروج وعدمها في المراتب كما لا يخفى . فالترتب المذكور في مقامات السلوك في كلمات القوم حال المحبّ المتوسط في درجات الاستعداد التامّ بحسب الفطرة الممنوّ بالموانع بحسب النشأة ، فإذا انتبهت النفس الانسانيّة بباطنها وباطن باطنها عن نوم الغفلة ، أدركت واحسّت ، انه يجب عليها أمور ثلاثة ، التعلق والتخلَّق والتحقّق . الأول ، في الإسلام ، والثاني ، في الايمان ، والثالث ، في الإحسان .
وبعبارة أخرى يجب عليها بعد التنبّه أمور ثلاثة : الأول ، الأخذ في السير عن مقارّ احكام عادتها ، ولذاتها الفانية ، بملازمة الأمر والنهى ، في جميع
رسالة النصوص — صفحة 92
مساهمون: أبي المعالي القونوي
ص٩٢