أما من يقول : إن بإمكان المسلم أن يأخذ من أي مذهب من المذاهب الأربعة
فكلها من نبع النبوة . نقول له : عجبا كيف تكون هذه الاختلافات حتى في الأمور
الصغيرة من نبع واحد ؟ فهل رأيت أخي المسلم نبع ماء مثلا له عدة مذاقات ؟ ! فلو جاء
أربعة أشخاص وكل واحد معه زجاجة مليئة بالماء وقالوا : إنه من نبع ماء عذب ، وكان
الأول معه ماء مالح ، والثاني معه ماء مر ، والثالث معه ماء نتن ، والرابع معه ماء عذب ،
فهل يكون الماء الذي بحوزتهم عاكسا لمذاق النبع ؟ طبعا لا . بل إن الشخص الرابع هو
الذي نهل من ماء ذلك النبع ، أما الآخرون فإنهم نهلوا من ينابيع أخرى ، أو من هذا النبع
ولكنهم غيروا وبدلوا فيه .
وهكذا الحال مع المذاهب الأربعة ، فلو حصرنا الإسلام بهم فلا بد أن يكون
واحد منهم هو الذي غرف من نبع النبوة ، إذ لا يعقل أن يكونوا جميعا قد غرفوا من نبع
واحد وكل واحد يقول مذاق النبع هكذا ؟ ! !
فإن قيل : هم أخذوا من نبع واحد ولكن كل واحد اجتهد وتوصل لشئ يخالف
غيره . فنقول : حتى وإن اجتهدوا واختلفوا في اجتهاداتهم فواحد من هذه الآراء هو الذي
يعكس حكم الإسلام لو حصرناه بهم . فنحن نعلم أن الإسلام له حكم واقعي واحد في
أي موضوع .
ومع الذي ذكرنا فإن حديث " اختلاف أمتي رحمة " حديث موضوع فلا يحتج
به ، وتفصيل ذلك لمحدث أهل السنة الألباني فقد قال عن هذا الحديث : " لا أصل له ،
ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا . . .
ونقل المناوي عن السبكي أنه قال : " وليس بمعروف عند المحدثين ، ولم أقف له
على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع " وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على
تفسير البيضاوي ( ق 92 / 2 ) " ( 1 ) .
هامش
1 - سلسلة الأحاديث الضعيفة : 1 / 76 ح 57 .