فقال : إذا دخلت مسجد رسول الله فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير ، فتلك
حلقة أبي عبد الله ، مؤتزرا إلى أنصاف ساقيه . . .
أما عاداته في معيشته ، فكان ملاكها لطف الحسن ، وجمال الذوق ، والقصد في
تناول كل مباح . كان يحب الطيب والبخور ، ويأنق للزهر والريحان . .
وروى أنس بن مالك أنه كان عنده ، فدخلت عليه جارية بيدها طاقة من
ريحان ، فحيته بها . فقال لها : " أنت حرة لوجه الله تعالى " فسأله أنس متعجبا : جارية
تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها ؟ قال : " كذا أدبنا الله . . قال تبارك وتعالى : ( وإذا حييتم
بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) ( 1 ) . . وكان أحسن منها عتقها " . .
وقد عاش سبعا وخمسين سنة بالحساب الهجري ، وله من الأعداء من يصدقون
ويكذبون . . . فلم يعبه أحد منهم بمعابة ولم يملك أحد منهم أن ينكر ما ذاع من فضله ، حتى
حار معاوية بعيبه حين استعظم جلساؤه خطاب الحسين له " ( 2 ) .
وقبل خروج الحسين ( عليه السلام ) ثائرا ضد يزيد ، أوصى أخاه محمد بن الحنفية فقال :
" . . . وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح
في أمة جدي ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي
علي بن أبي طالب ، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن رد علي هذا ، أصبر حتى
يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين " ( 3 ) .
وخطب الحسين ( عليه السلام ) حين خرج إلى العراق فقال : " خط الموت على ولد آدم مخط
القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي
مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ، فيملأن
مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضى الله رضانا
هامش
1 - النساء : 86 .
2 - راجع المجموعة الكاملة لعباس محمود العقاد ، المجلد الثاني ، الحسين أبو الشهداء : ص 191 - 196 .
3 - نفس المهموم : ص 25 .