فقال : " ما بال دعوى أهل الجاهلية ؟ ! " قالوا : يا رسول الله كسح رجل من المهاجرين
رجلا من الأنصار فقال : " دعوها فإنها منتنة " . . . " ( 1 ) .
نستخلص من هذا " أن من أوليات ما يقتضيه ضمان التطبيق أن يكون القائم على
تطبيقها - أي الفكرة - شخصا تتجسد فيه مبادئ فكرته تجسدا مستوعبا لمختلف
المجالات التي تكفلت الفكرة تقويمها من نفسه . ولا نريد من التجسد أكثر من أن يكون
صاحبها خليا عن الأفكار المعاكسة لها من جهة ، وتغلغلها في نفسه كمبدأ يستحق من
صاحبه التضحية والفناء فيه من جهة أخرى ، ومتى كان الإنسان بهذا المستوى استحال
في حقه من وجهة نفسية أن يخرج على تعاليمها بحال . وإذا لم يكن القائم بالحكم بهذا
المستوى من الإيمان بها وكانت لديه رواسب على خلافها ، لم يكن بالطبع أمينا على
تطبيقها مائة بالمائة ، لاحتمال انبعاث إحدى تلكم الرواسب في غفلة من غفلات الضمير ،
واستئثارها في توجيهه الوجهة المعاكسة التي تأتي على الفكرة في بعض مناحيها وتعطلها
عن التأثير ككل ، وربما استجاب الرأي العام له تخفيفا لحدة الصراع في أعماقه بين ما جد
من تعاليم هذه الفكرة وما كان معاشا له ومتجاوبا مع نفسه من الرواسب .
على أن الناس - كل الناس - لا يكادون يختلفون - إلا نادرا - في قدرتهم على
التفكيك بين الفكرة وشخصية القائم عليها . . . وبما أن الإسلام يعالج الإنسان علاجا
مستوعبا لمختلف جهاته - الداخلية والخارجية - ، احتجنا لضمان تبليغه وتطبيقه إلى
العصمة في الرسول ، ثم العصمة في الذي يتولى وظيفته بعده . . . " ( 2 ) .
هامش
1 - ج 6 باب قوله : سواء عليهم استغفرت لهم .
2 - الأصول العامة للفقه المقارن : 185 - 186 .