فالسلوكيات التي مارسها الصحابة في الجاهلية لا توجد في القادة الرساليين ، ولم
يحدث في تاريخ الرسالات الإلهية أن اختار الله مبلغا عنه بعد أن غرق في سلوكيات قومه
المنحرفة .
يروي أهل السنة : إن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقبل بعثته أراد أن يلتحق بإحدى
احتفالات قريش ليشاركهم الشرب واللهو . . . فأنامه الله في الطريق ( 1 ) !
ويروون إن الله بعث ملكين لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو صبي فاستخرجا علقة سوداء
من قلبه وغسلاه ونقياه حتى يكون في أعلى درجات الكمال وخاليا من أية رواسب ،
وتعرف هذه بحادثة شق الصدر ( 2 ) . قال طه عبد الرؤوف سعد في تعليقه على هذه
الحادثة : " إن هذا التقديس وهذا التطهير كان مرتين ، الأولى في حالة الطفولة لينقى قلبه
من مغمز الشيطان ، وليطهر ويقدس من كل خلق ذميم حتى لا يلتبس بشئ مما يعاب
عليه الرجال ، وحتى لا يكون في قلبه شئ . . . " ( 3 ) .
ومع موقفنا الرافض لا مكانية حصول وصحة وقوع هاتين الحادثتين إلا أننا
نتساءل : لماذا هذا الاهتمام من الله برسوله وحرصه أن لا يمارس سلوكا جاهليا ولو لمرة
واحدة ؟ !
الجواب واضح ، فالرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمامه عملية تغيير كبرى ، فحتى ينجح في
تنفيذها ويتقبلها الناس : لابد أن يكون خاليا من أية أفكار مخالفة لها وحتى يكون مهيأ
لاستقبال الوحي . . .
وهذه سنة إلهية اتبعها الله مع جميع رسله وسفرائه ، فكيف يمكن أن يختار الله لتبليغ
دينه أناسا جسدوا الجاهلية قولا وسلوكا ، حتى تشبعت أجسامهم ونمت على الربا
وشرب الخمر ؟ . . . !
هامش
1 - راجع مستدرك الحاكم : 4 / 245 .
2 - راجع سيرة ابن هشام : ص 152 .
3 - المصدر السابق : ص 153 .