قد يقال : إن الإسلام يجب ما قبله . فنقول : صحيح هذا ، ولكن هذا القول مخالف
لسنة الله في اختيار رسله ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( 1 ) فلو اختار الله الصحابة
لبيان دينه لكان - والعياذ بالله - مخالفا لسنته في اختيار الإنسان الطاهر من أي انحراف في
سلوكه وقوله ، كالأنبياء ( عليهم السلام ) تماما . فكيف يقول الله : ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ثم
يخالف سنته في اختيار سفرائه ممن عاشوا في مستنقع المحرمات لعشرات السنين ؟ ! !
إن من يستقرئ حياة الصحابة يجد كثيرا من الرواسب الجاهلية قد عاشت معهم
بعد الإسلام ، كشرب الخمر والزنا وأكل الربا ( 2 ) ، وهذا الأمر يسلب منهم خاصية
القيمومة على الدعوة . فالرواسب الجاهلية تؤثر سلبا على الداعية .
أخرج البخاري : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " من يعذرني من رجل بلغني أذاه في
أهلي " فقام سعد بن معاذ فقال : يا رسول الله ، أنا والله أعذرك منه ، إن كان من الأوس
ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك ، فقام سعد بن
عبادة وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية ، فقال :
كذبت لعمر الله ، لا تقتله ولا تقدر على ذلك ، فقام أسيد بن الحضير ، فقال : كذبت
لعمر الله ، والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين ، فثار الحيان الأوس
والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى
سكتوا وسكت ( 3 ) .
وأخرج البخاري : " إن رجلا من المهاجرين كسح ( 4 ) رجلا من الأنصار ، فقال
الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فسمع ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
هامش
1 - الأحزاب : 62 .
2 - وهذا أمر قد وثقناه في مبحث عدالة الصحابة .
3 - 3 / 156 ، و 6 / 8 .
4 - كسح : بمعنى ضرب .