تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
وحابسا ومانعا ، أما وصف العدو بأنه حابس ومانع ، فوصف حقيقي ، وحمل الكلام على حقيقته أولى من حمله على مجازه . الحجة الرابعة : أن الإحصار مشتق من الحصر ولفظ الحصر لا إشعار فيه بالمرض ، فلفظ الإحصار وجب أن يكون خالياً عن الاشعار بالمرض قياساً على جميع الألفاظ المشتقة . الحجة الخامسة : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : * ( فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ) * فعطف عليه المريض ، فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون المرض داخلاً فيه ، لكان هذا عطفاً للشئ على نفسه . فإن قيل : إنه خص هذا المرض بالذكر لأن له حكماً خاصاً ، وهو حلق الرأس ، فصار تقدير الآية إن منعتم بمرض تحللتم بدم ، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفرتم . قلنا : هذا وإن كان حسناً لهذا الغرض ، إلا أنه مع ذلك يلزم عطف الشئ على نفسه ، أما إذا لم يكن المحصر مفسراً بالمريض ، لم يلزم عطف الشئ على نفسه ، فكان حمل المحصر على غير المريض يوجب خلو الكلام عن هذا الاستدلال ، فكان ذلك أولى . الحجة السادسة : قال تعالى في آخر الآية : * ( فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) * ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو لا في المرض ، فإنه يقال في المرض : شفي وعفي ولا يقال أمن . فإن قيل : لا نسلم أن لفظ الأمن لا يستعمل إلا في الخوف ، فإنه يقال : أمن المريض من الهلاك وأيضاً خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها . قلنا : لفظ الأمن إذا كان مطلقاً غير مقيد فإنه لا يفيد إلا الأمن من العدو ، وقوله خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها . قلنا : بل يوجب لأن قوله : * ( فإذا أمنتم ) * ليس فيه بيان أنه حصل الأمن مماذا ، فلا بد وأن يكون المراد حصول الأمن من شئ تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو الاحصار ، فصار التقدير : فإذا أمنتم من ذلك الاحصار ، ولما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق العدو ، وجب أن يكون المراد من هذا الاحصار منع العدو ، فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار المذكور في الآية هو منع العدو فقط ، أما قول من قال : إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو باطل بهذه الدلائل ، وفيه دليل آخر ، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية أن الكفار أحصروا النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، والناس وإن اختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل تتناول غير ذلك السبب ؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجاً عنه ، فلو كان
تفسير الرازي — صفحة 161 | فخر الدين الرازي