تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
أن يتمكن في الحل والحرم من نحر الهدى . بيان المقام الأول : أن قوله : * ( فإن أحصرتم ) * يتناول كل من كان محصراً سواء كان في الحل أو في الحرم ، وقوله بعد ذلك : * ( فما استيسر من الهدي ) * معناه فما استيسر من الهدي نحوه واجب ، أو معناه فانحروا فانحروا ما استيسر من الهدي ، وعلى التقديرين ثبت أن هذه الآية دالة على أن نحر الهدي واجب على المحصر سواء كان محصراً في الحل أو في الحرم ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له الذبح في الحل والحرم ، لأن المكلف بالشئ أول درجاته أن يجوز له فعل المأمور به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المحصر قادراً على إراقة الدم حيث أحصر . الحجة الثالثة : أن الله سبحانه إنما مكن المحصر من التحلل بالذبح ليتمكن من تخليص النفس عن خوف العدو في الحال ، فلو لم يجز النحر إلا في الحرم وما لم يحصل النحر لا يحصل التحلل بدلالة الآية ، فعلى هذا التقدير وجب أن لا يحصل التحلل في الحال ، وذلك يناقض ما هو المقصود من شرع هذا الحكم ، ولأن الموصل للنحر إلى الحرم إن كان هو فقد نفى الخوف ، وكيف يؤمن بهذا الفعل من قيام الخوف وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل ؟ حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه الأول : أن المحل بكسر عين الفعل عبارة عن المكان ، كالمسجد والمجلس فقوله : * ( حتى يبلغ الهدي محله ) * يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى مكان الحل ، وهو عندكم بالغ محله في الحال ، جوابه : المحل عبارة عن الزمان وأن من المشهور إن محل الدين هو وقت وجوبه الثاني : هب أن لفظ المحل يحتمل المكان والزمان إلا أن الله تعالى أزال هذا الاحتمال بقوله * ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) * ( الحج : 33 ) وفي قوله : * ( هديا بالغ الكعبة ) * ( المائدة : 95 ) ولا شك أن المراد منه الحرم فإن البيت عينه لا يراق فيه الدماء . جوابه : قال الشافعي رضي الله عنه : كل ما وجب على المحرم في ماله من بدنة وجزاء هدي فلا يجزي إلا في الحرم لمساكين أهله إلا في موضعين أحدهما : من ساق هديا فعطف في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين والثاني : دم المحصر بالعدو فإنه ينحر حيث حبس ، فالآيات التي ذكرتموها في سائر الدماء فلم قلتم إنها تتناول هذه الصورة الثالث : قالوا : الهدي سمي هدياً لأنه جار مجرى الهدية التي يبعثها العبد إلى ربه ، والهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها المهدي إلى دار المهدى إليه وهذا المعنى لا يتصور إلا بجعل موضع الهدي هو الحرم . جوابه : هذا التمسك بالاسم ثم هو محمول على الأفضل عند القدرة الرابع : أن سائر دماء الحج