تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
الإحصار اسماً لمنع المرض ، لكان سبب نزول الآية خارجاً عنها ، وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو ، وإذا ثبت هذا فنقول : لا يمكن قياس منع المرض عليه ، وبيانه من وجهين : الأول : أن كلمة : إن ، شرط عند أهل اللغة ، وحكم الشرط انتفاء المشروط عن انتفائه ظاهراً ، فهذا يقتضي أن لا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه ، فلو أثبتا هذا الحكم في غيره قياساً كان ذلك نسخا للنص بالقياس ، وهو غير جائز . الوجه الثاني : أن الإحرام شرع لازم لا يحتمل النسخ قصدا ، ألا ترى أنه إذا جامع امرأته حتى فسد حجه لم يخرج من إحرامه ، وكذلك لو فاته الحج حتى لزمه القضاء والمرض ليس كالعدو ، ولأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا من مرضه ، أما المحصر بالعدو فإنه خائف من القتل إن أقام ، فإذا رجع فقد تخلص من خوف القتل ، فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير . أما قوله : * ( فما استيسر من الهدي ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال القفال رحمه الله : في الآية إضمار ، والتقدير : فحللتم فما استيسر ، وهو كقوله : * ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) * ( البقرة : 184 ) أي فأفطر فعدة ، وفيها إضمار آخر ، وذلك لأن قوله : * ( فما استيسر من الهدي ) * كلام غير تنام لا بد فيه من إضمار ، ثم فيه احتمالان : أحدهما : أن يقال : محل ، ما : رفع ، والتقدير : فواجب عليكم ما استيسر والثاني : قال الفراء : لو نصبت على معنى : اهدوا ما تيسر كان صواباً ، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع . المسألة الثانية : * ( استيسر ) * بمعنى تيسر ، ومثله : استعظم ، أي تعظم واستكبر : أي تكبر ، واستصعب : أي تصعب . المسألة الثالثة : * ( الهدي ) * جمع هدية ، كما تقول : تمر وتمرة ، قال أحمد بن يحيى : أهل الحجاز يخففون * ( الهدي ) * وتميم تثقله ، فيقولون : هدية ، وهدي ومطية ، ومطي ، قال الشاعر : حلفت برب مكة والمصلى * وأعناق الهدى مقلدات ومعنى الهدي : ما يهدى إلى بيت الله عز وجل تقرباً إليه ، بمنزلة الهدية يهديها الإنسان إلى غيره تقرباً إليه ، ثم قال علي وابن عباس والحسن وقتادة : الهدي أعلاه بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأخسه شاة ، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس . المسألة الرابعة : المحصر إذا كان عالما بالهدي ، هل له بدل ينتقل إليه ؟ للشافعي رضي الله عنه فيه قولان : أحدهما : لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبدا ، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه ،